JPEG - rape thumbnail.jpg

قصص الموتى مرتين: ضحايا التحرش والصمت

Article Details

قصص الموتى مرتين: ضحايا التحرش والصمت

"أنا الآن ناجية، وسأخبركم لماذا نصدق الناجيات".

تصوير ميريام بولس

تحذير: يُنصح بعدم قراءة الموضوع للناجيات من التحرش ولم ينجين من تبعاته… مرآه تأسف لكل ناجية. نحن نسمعكم، ونراكم، ونصدقكم. 

ماذا لو كانت أمي قد صدقتني حين شكوت لها من تحرش ابن الجيران؟ ماذا لو لم يكن صوت يدها على وجهي لا يزال يطن في أذني حتى الآن حين أخبرتها بحركات قريب العائلة المريب؟ لو لم تكذبني وتقنعني أنني السبب لأنني اجتماعية أكثر من اللازم؟ صرت منعزلة يا أمي، سمعت كلامك، حفظت ما أمليتيه علي، فعلت ما أمرتيني به، ولم أفعل ما حذرتني منه، خفت أن يتكرر صفع وجهي مرة أخرى، فلم أخبرك بشيء بعدها، وظللت صامتة للأبد. لم أنجو يا أمي حين كذبتني، لم يصدقني أحد بعدك، فقط طبيبي النفسي ومضادات الاكتئاب، كنت صادقة معها فصدقتني ومنحتني السكينة، كي لا أسمع صوت الصفع مجددًا. 

نحن نصدق الناجيات… توقفت كثيرًا أمام الوسم حين ظهوره لأول مرة، حين اتهموا بطلات قصص التحرش التي خرجت للعلن بعد سنوات من الصمت بأنهن يفتعلن الأزمة، ويختلقن الجريمة التي كان بطلها "ه.ع." المغتصب. كذبوهن فخفن وقررن الصمت لتدفن الجريمة من جديد، وقتها عاد صوت الصفع مرةً أخرى، اسمع طنينه قويًا في أذني وأثره على وجهي لا يزال ملتهبًا بأصابع أمي الخمسة، كنت مثلهن وكانوا مثلي، لم يصدقنا أحد فلم ننجو.

 

JPEG - 0.jpg

 

الفيرمونت: نجاة المغتصب وإدانة للشهود

تكررت القصة في الفيرمونت، اغتصاب جماعي والضحية هي المدانة، هي من ذهبت للسهر برفقة الرجال، هي من لبست ما لا يليق وشربت الخمر ثم صعدت لغرف بالفندق، فكيف تخبرنا بعد ذلك أنها رفضت الجنس؟ وقاومت فتم اغتصابها، "نازلي"، الشابة التي صارت ضحية شهادتها، شهادة تخبر الجميع أن العفن لا يفرق بين رواد الفنادق الخمسة نجوم وبين منتهكي الأعراض من خلف شاشة موبايل، أضحت نازلي وصورها وحياتها الخاصة مستباحة على السوشيال ميديا ووسائل الإعلام، تناقلوا فيديوهاتها وصورها، وتكرر صفع أمي مرة أخرى...

دومًا كنت سببًا، حين كنت طفلة كان لهوي مع الصبية هو السبب، وحين كبرت كانت معالم أنوثتي التي تستفز الجميع. "تحجبي"، وحين تحجبت كان ضحكي. تجهمت ثم صار كل شيء، كل حال كان سبب في أن يشير لي الجميع أنني السبب. صدقتهم وكرهت نفسي، عنفتني مطولًا في كل مرة كان أحدهم يتطاول علي: "أنتي المخطئة بكل تأكيد"، "راجعي ملابسك وكلامك وصوتك وضحكتك"، حتى حزنك راجعيه، فربما يتسبب في أن يراكِ أحدهم جميلة رغم أن عيناكِ بها حزن.   لم تصدقني أمي وكذبني العالم، ثم كذبوا الضحايا جميعًا. 

 

JPEG - 1 (3).jpg

 

"ه.ع.": نجاة إلى حين

كنت أعرف "ه.ع." عن قرب، كان زميل عمل، جمعنا ذات يوم مكان واحد، تركناه لاحقًا، لم أعرف عنه حينها ما يشينه، كانت سمعته طيبة مع الجميع، لكن حين بدأت القصص تتوالى، صدقت الناجيات وكذبته، دعمتهم دون أن أعرفهم مباشرةً وكنت أعرفه، كثيرات من الزميلات دعمن الصديق الذي عرفن، كما دعمت أمي الجار والقريب وكذبتني، حجتهم القوية تتلخص أنه كان شهمًا معهن، أصدق نبلهن، لكني لا أصدق الشهامة الزائفة. 

توقفت الضحايا عن سرد شهاداتهم، وفي فيديو استقصائي يهين المعنى والقيمة،  دافع "ه.ع." عن نفسه، وبدون أن يقصد دعم شهادات ضحاياه، ثم هدأت العاصفة، واستكانت ثورة الضحايا، لا لشيء سوى أنهم كذبوا، لم يجدوا دعمًا حقيقيًا، التهديد بالسجن والفضيحة والخوض في أعراضهن لاحقهن وهن مختفيات وراء مدونة تنشر الشهادات مع الاحتفاظ بسرية البيانات، فماذا لو لم تكن البيانات سرية؟ كن سيدفعن عمرهن كاملًا ثمنًا لخطأ "ه.ع." الصديق الشهم. 

 

JPEG - 2 (3).jpg

 

وجهًا لوجه أمام الضحية: أجل أتحمل السمع

مرت أسابيع بعد أن هدأ البركان، نسيت أمر الشهادات، وهدأت التروما التي عانيت منها ليالٍ طويلة، واستطعت السيطرة على نوبات الهلع التي كانت تبقيني فزعة كلما سمعت عن شهادة جديدة، عدت إلى حياتي اليومية، متابعةً عملي والاستعداد للمدارس. كنت أتشمم عطر الملابس الجديدة حين فاجئني اتصال هاتفي مع صديقة تخبرني فيه: "انتي كويسة؟ تستحملي تسمعيني؟"، لم أعرف بماذا أجيب، لكني أخبرتها أنني على أتم استعداد، قلتها ولم تحملني قدماي من هول ما سمعت: "فاكرة شهادات المدونة عن "ه.ع."؟ أنا صاحبة الشهادة الأولى". 

لم أكن اعتقد أن الأمر سيكون قريبًا إلى هذا الحد، أنني سأجد نفسي وجهًا لوجه أمام "ه.ع." إن لزم الأمر، الصديقة كانت خائفة، صوتها يرتجف، كذلك كنت أنا، لكنني كنت أتمالك نفسي، أخبرتها أني أصدقها وأدعمها: "لا تخشي شيئًا فأنا بجانبك وأحبك"، "لن يستطيع إيذائك"، "سأقتله إن حاول"، حينها لم أكن أتحدث إلى صديقتي، كنت أمسك بهاتفي في غرفة منزلي، بينما روحي تسللت مني لتبحث عن طفلة صغيرة اختبئت في ركن مظلم في فناء منزلنا القديم كي لا يراها أحد، هاربةً من صفعة أمها، ذهبت حينها لركنها المظلم، فبكت وبكيت ثم هدأنا معًا. 

 

JPEG - 3 (5).jpg

 

اليوم ننجيك من الذكرى: مرآه تحرر تروما الضحايا

في أوج شهادات الناجيات من التحرش التي انتشرت عبر السوشيال ميديا في الآونة الأخيرة، قصص كثيرة خرجت من صاحباتها للمرة الأولى، كثيرات وجدناها فرصة للبوح بما لم يستطعن مجرد التفكير به طيلة عمرهن. يعتبر الأطباء النفسيون المقدرة على الحكي نوع من العلاج، وقاربًا من قوارب النجاة للعبور من غياب المرض النفسي، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فالقصص شديدة التعقيد، والمجتمع المتدين بطبعه لن يقبل أن تحكي نساءه عما يتعرضن له من الأهل والأقارب، في الشارع والعمل، من المقربين ومن البعيدين، من الجميع، حتى لو بدأ الأمر داخل حقل بطاطس في أقصى الريف. 

"لو كنت قولت كانوا هيقتلوني"، تحكي "س.ع."، 30 عامًا، عن قصة لا تزال في صدرها رغم مرور عشرون عامًا على الواقعة، حينها لم يكن هناك إنترنت ولا صحافة، يمكن أن تبحث عن حق طفلة قتلها أبوها جراء اغتصابها على يد جار لهم، يوم حار عادي، كانت تتصبب عرقًا وهي ذاهبة لغيط البطاطس الذي يملكه والدها تحمل بؤجة الطعام، مثلما راود الذئب ذات الرداء الأحمر في طريقها لجدتها، في طريق الحقل كان هناك ذئبًا آخر طارد ذات الجلباب الأصفر، لا تزال تتذكر كافة التفاصيل، شعرها مغطى استجابةً لنصح أمها وبنطال ترتديه أسفل ملابسها كي لا يبين لها أثر، كل شيء تتذكره حتى عندما استوقفها "عم فلان" كي يمنحها أشياء تعطيها لأبيها، وأخذها لكوخ الجريد، وهناك كتم أنفاسها ونزع بنطاله، وطل يحك جسده بها حتى أتى ما أراد، ثم أمرها أن تصمت وإلا سيقتلها أباها "مثل هند اللي رموها في الترعة والبلد كلها عارفة"، عاشت طيلة عمرها تخشى أن تفاتح والديها بما حدث، لكن حين قُتل "عم فلان" في جريمة شرف، فرحت لعدالة السماء التي نزلت على قريتها، واستطاعت أن تنام لأول مرة دون كوابيس: "لكن لحد الآن ما حكتش، وما اتجوزتش، بقولهم إني بشتغل وعاوزة أحقق ذاتي، لكن الحقيقة إني رافضة الفكرة أصلًا، حتى لو كنت بنت زي ما أنا".

 

JPEG - 4 (4).jpg

 

دعم عبر السوشيال ميديا: الحق ولو بعد حين

 في الثالث من يوليو الماضي، قررت الكاتبة ميرال المصري، أن تروي لأول مرة قصة لا يعرفها سوى عدد محدود من المقربين، كانت في الرابعة عشر حين تعرضت للاغتصاب، تحمد الله أن الفعل لم يتجاوز المحاولة فقط، لكنها مع ذلك تذكر تفصيليًا حجم الخوف والفزع الذي تعرضت له، لكنه لم يمنعها أن تروي لوالديها ما حدث لتبدأ ملحمة أخذ حقها من مرتكب الواقعة، صدقها والديها وفعلا من أجلها كل شيء، لكن جهات التحقيق لم تدعمها ذات الدعم: "نخليه محضر سرقة بدل ما يبقى شروع في اغتصاب، البنت صغيرة وسمعتها هتبوظ"، كان ذلك رأي أمين الشرطة ثم محقق المباحث ثم مأمور القسم، إلا أن والدها الذي وقف داعمًا لابنته رفض كل محاولات وصمها وجعلها سببًا فيما حدث، وبالفعل تمت كتابة المحضر كما أرادت ميرال وأسرتها، وكانت سببًا لتقدم أكثر من خمسين  فتاة أخرى لتقديم بلاغات ضد نفس المتحرش، فقط لأنهم تشجعوا بما حكته ميرال وبدعم أهلها وتصديقهم لها، أما هم فلم يصدقهم أحد. 

"لكن أنا ناجية"، الجملة كانت أشبه بالضربة القاضية لكل محاولات إسكات الشابة السعودية غدي الأحمدي، التي حكت للمرة الأولى في فيديوهات على تويتر عن تعرضها للتحرش والاغتصاب من شقيقها وائل الأحمدي، في عمر 9 سنوات وحتى 15 عامًا، وحين حاولت الصغيرة أن تخبر أهلها وتقص عليهم وقائع ما يفعله الشقيق، كان الحلف على القرآن هو وسيلتهم الوحيدة لاستبانة الأمر من الأخ، وحين أنكر، مر الأمر مرور الكرام وكأنها لم تقل شيئًا، تحدثت غدي في فيديوهاتها وكتبت أنها بأمان الآن، ولهذا طرحت قصتها كي تحمي غيرها من أخيها الممرض في إحدى مشافي جدة، فهي تعلم أنها ليست ضحيته الأخيرة، وليست الوحيدة التي لم يصدقها أهلها وصدقوا يمينه على القرآن.

 

JPEG - 5 (3).jpg

 

الأسرة العربية لا تعرف الدعم والخوف رفيق الناجية للأبد

في كل طرح لقضية تحرش، تبدأ الدائرة من جديد، كأنها المرة الأولى، لا يقتصر الأمر على لوم المحيطين بالناجية، لكن أيضاً لا توجد بيئة مجتمعية داعمة للناجيات، بل الأكثر من ذلك، البعض يتساءل عن سبب إطلاق لقب ناجية كبديل عن لقب الضحية، كونهم يستنكرون عليها التعافي مما أصابها، فضلًا عن حصارها بأسئلة: "إيه اللي وداها هناك؟"، "كانت لابسة إيه؟"، "ليه ما دافعتش عن نفسها؟"، "ليه سكتي؟"، "إذا بليتم فاستتروا!"؛ كلها عبارات تنهال على مسامع الناجيات، تدفعهم للصمت وتقبل الهزيمة أمام المتحرش، بديلًا عن الفضيحة أمام المجتمع.

الخوف من الأهل، هو السبب الأول في رفض الناجيات البوح بما وقع لهن، تتحدث الطبيبة النفسية سالي توما، عن عشرات الحالات التي مرت عليها تحكي قصص التحرش من المقربين والبعيدين في حياتهن، وكيف أثر عليهم الصمت، سواء كان اختيارهم، أو تم إجبارهم عليه من قبل الأهل. ألم الاغتصاب والتحرش لا ينتهي بمرور الوقت، بل على العكس، فكلما مر الوقت، كلما تعمق شعور الضحية بأنها ربما تكون مذنبة، لذا دعم الناجيات ليس فقط من أجل المرحلة الأولى بعد الحادث، لكن كي لا يندفعن نحو بئر عميقة لا خروج منها لباقي عمرهن.

 

JPEG - 6 (1).jpg

 

تقول توما: "بعد حوادث الاغتصاب، قد يعاني الناجون من العنف الجنسي من مشاعر اضطراب حادة أو ضغوط أو مخاوف تُعرَف باسم "اضطراب ما بعد الصدمة"، وفي حين أنه من الطبيعي المعاناة من أعراض كتلك بعد حادث أليم، إلا أنه إذا استمرت لأكثر من عدة أسابيع وشكّلت مشكلة دائمة، وقتها يتم تشخيص الحالة أنها تعاني من هذا الاضطراب، إذا لم يتم معالجته، فإن الأعراض ستسوء وقد تستمر لشهور وربما لأعوام. غالبًا ما تكون المشاكل التي يعاني منها الناجين من الصدمة على مستوى فردي، هي في الحقيقة مشاكل اجتماعية لم يتم حلّها بشكل كامل، وعلى الرغم من أن طرق العلاج في حالة اختبار وتحسين مستمرة، إلا أن حق الفرد في العلاج يكون ممكنًا بشكل أساسي فقط إذا تضافرت جهود المجتمع بأكمله سعيًا لدمج طرق علاج ثقافية إيجابية في خطة العلاج ذاتها".

 

JPEG - 7 (1).jpg

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري