JPEG - miraa - child abuse - thumb2.jpg

هل كان الضرب ضروريًا لتربية سليمة؟

Article Details

هل كان الضرب ضروريًا لتربية سليمة؟

قصص ناجيات من عنف الأبوين أفضى بهن إلى حياة غير سوية.

رسوم ساشا حداد

تحذير: تحتوي القصة الصحفية على حوادث قد تتسبب في أذى نفسي لبعض القراء ممن تعرضوا للعنف الأسري، ينصح بعدم القراءة ونأسف لتعرضكم لهذا الألم... 

منذ أسابيع انتشر مقطع فيديو لفتاة ترتدي زيًا مدرسيًا، تمشي في شوارع الإسكندرية، ثم تختفي فجأة بعد دخولها إحدى الصيدليات، الفيديو القصير ثبت شائعة عمت أرجاء "المحروسة" عن محاولات خطف منتشرة لفتيات المدينة الساحلية. لم تكن هذه هي الحادثة الوحيدة، فبعدها اختفت ثلاث فتيات أخريات، وظل الخوف جاثمًا على قلوب الأهالي، يُمنع خروج الفتيات من منازلهن خشية اختفاؤهن، ثم كانت المفاجأة، استطاعت قوات الأمن أن تعيد الفتاة المخطوفة، لكنها لم تكن مخطوفة، بل كانت "هاربة". 

فرح، طالبة الصف الثاني الإعدادي ولاعبة فريق السلة بنادي الأوليمبي، ظهرت في فيديو قصير، تم تصويره في جهة شرطية، تحكي فيه قصة هروبها من المنزل، تجلس الفتاة أمام الكاميرا، شعرها مشدودًا إلى الوراء، ذيل حصان معتاد للفتاة المطيعة، خلفية بيضاء من غير سوء كما خلفيات صور المستندات الرسمية، عين غير ثابتة لا تقوى على مواجهة الكاميرا لمدة تطول عن ثانيتين، يداها تحيطان صدرها أو يتشبثان بجانبي المقعد ترجوه الثبات، تقول الفتاة: "أمي هددتني بالضرب لأنني لم أذهب لتمرين فريقي، وأبي جاء من العمل وضربني بخشبة، كانا يفعلان ذلك دائمًا"، بقيت صورة فرح وذراعها متصلبان وجسدها متيبس في أحضان والديها تطارد الجميع، وطاردت اللعنات فرح - لماذا لا تتقبل أن يربيها أبوها بالضرب؟ "ما إحنا اضربنا وما هربناش وطلعنا كويسين أهه"، لكن هل نجونا حقًا؟ هل خرجنا منها سالمين؟ يقول علم النفس أن الطفل الذي يسيء إليه أبواه لا يتوقف عن حبهما، بل يتوقف عن حب نفسه، وتقول القصص أن الطفل الذي يسيء إليه أبواه يتوقف عن حب الجميع.

قبل عام من قصة فرح، انتحرت شهد، لا أحد يتذكر القصة، ذهبت أخبارها طي النسيان، عانت شهد على مدار سنوات طويلة من الوسواس القهري، لم يسمعها أحد، كان الرد بالضرب والإيذاء هو أسهل رد على فتاة صغيرة مكتئبة، بعد سنوات من العذاب قررت شهد أن تنهي حياتها بالانتحار، بعد أن اصطحبتها أمها لطبيب نفسي لتعرف ما إذا كان ما تروي ابنتها "دلع مارق" أم وجعًا حقيقيًا، أخبرهم الطبيب أن حالة الفتاة سيئة وتنتابها أفكار انتحارية، لكن لم يستمع أحد، وفي صباح أحد أيام ديسمبر الماضي، انتحرت شهد، وترك موتها رسالة قوية وجهتها النيابة العامة المصرية لجموع الآباء: "رفقًا بالقوارير، امنحوا بناتكم قسطًا من أوقاتكم، شاركوهم آمالهن وآلامهن، اطمئنوا وطمئنوهم".

قصص العنف الأسري لم تتوقف عند شهد وفرح، لكن ليس جميعها يخرج للعلن، كثيرًا منها يدون في ملفات الأطباء النفسيين، وآخرين يفضلن جلسات الفضفضة بين الأصدقاء، وقصص أخرى كان الشارع لها ملاذًا أخيرًا قبل أن تحكيها مرآه هنا...

 

"الشارع هو الملاذ الأخير"

بجوار مسجد الفتح بوسط القاهرة، قابلتها ذات مرة، لازلت أتذكر ملامحها وإن غاب اسمها عن ذاكرتي، كانت تبيع المناديل الورقية ربما، على رأسها حجاب، وفي يدها سيجارة، الشارع الموحش لم يترك أثاره بعد على ملامحها البريئة، حين سألتها لماذا هي بالشارع، أجابتني: "هربت من الضرب"، تعجبت من زرقة ذراعها، فسألتها هل هي أثار عنف منزلي، فأجابتني بأنها ضرب جراء محاولة اغتصاب، زادت دهشتي: "لماذا لم تتحملي قسوة الأهل إذن، في مقابل بعض الأمان،

؟"، ردت: "وأي أمان في ضرب لا أستطيع رده؟ من حاول اغتصابي، نلت من رجولته قبل أن ينال من شرفي، لكن ماذا أفعل لأبي وهو ينهال علي بالعصا كل يوم ولو تأخرت نصف ساعة يشتمني بأفظع الألفاظ؟ كنت في نظره ساقطة وأنا أحافظ على شرف اسمه لكن لا أستطيع أن أدافع عن نفسي، والآن أنا ساقطة برغبتي لكن لا أحد يضربني".

(لم تصرح عن اسمها وعمرها)

 

"أكره الاستحمام"

"كبرت وكبرت معي مخاوفي من الحمام المغلق والماء الساخن، في كل مرة أغلق فيها باب الحمام، أستعيد مشاهد ضربي ويرن في أذني صوت صراخ أخوتي، كان يوم الجمعة يوم الاستحمام الذي أكرهه، تشعل أمي "بابور الجاز" فلم نكن نملك رفاهية السخان. تصب الماء الساخن على أجسادنا، ومعه تقريع وضرب وقرص وجلد لكل أخطاء الأسبوع، تلك القرصة لأنك فعلت ذلك، وهذه الضربة لأنك أخطأت في كذا، والسوط لفشلك الدراسي... لم نسألها أبدًا لماذا، فقبل أن نسأل كان الجواب حاضرًا: "أنا أم وأب… أبوكم مات وأنا لازم أربيكم"، ضربتنا أمي ولم تربينا، كبر أخي يعيد نفس الحياة مع أبنائه، وتتلذذ شقيقتي بدمائي تسيل على ملابسي لأنها أدخلت في جسدي مسمارًا ذات مرة، ولم أشعر به، تروي الحكاية في كل مرة بذات التلذذ وأشعر أنا بذات القهر… لكننا "طلعنا كويسين"".

ن.م.، 32 عامًا 

 

"احمدي ربنا إنه لا بيضربك ولا بيشتمك"

"في كل مرة كنت أشكو فيها زوجي، تقول لي أمي تلك العبارة، وأحمد الله بالفعل، فقد أخرجني من جب عشت فيه سنوات طويلة. يؤذيني هو بأشكال عدة، لكن لا يضربني ولا يشتمني، إذن فهو زوج صالح، هكذا عشت حياتي، لا أعرف متى سأنال علقة جديدة، وعلى أي خطأ سيكون عقابي، وهل الضرب على الوجه وشد الشعر سيكون كافيًا، أم سيحلق شعري وأُحبس في غرفتي؟ كنا في الصعيد وأشاهد أمي تُضرب من الجميع، أبوها وشقيقها ثم أبي، وجئت أنا إلى الحياة لأزيح عنها بعضًا من العنف، لأقل الأسباب كنت أُضرب... لا، لم يكن ضربًا، بل قتلًا بالبطئ. لم أخرج من طفولتي سوية، عشت مراهقتي وشبابي وأنا لا أزال تحت رحمة مزاج أبي، كان يضربني كي لا أنحرف، فهو يؤمن بالمثل القائل: "اكسر للبنت ضلع يطلعلها 24"، وبالفعل كسر لي ضلعًا ذات مرة، لكن لم ينبت لي 24 أضلاع جديدة، فعاقبته بما كان يخشاه… انحرفت".

سناء، 28 عامًا 

 

"العنف قتل أخي والذنب قتل والدي بعده"

"كنا خمسة أبناء، ولدان وثلاث إناث، كانوا جيراننا يستغربون من كثرة ما نشتري من السندات الخشبية للأسرة، لم يعرفوا أبدًا أنها تنكسر على أجسادنا. الجميع كان يضرب، لا تفرقة بين ولد وبنت، على أتفه الأسباب وأقساها. في منزلنا لم يكن ثمة نجاة، حتى أمي كانت تُضرب لو تدخلت لإنقاذنا. كان أبي "صوت العقل والحكمة" في الحي، يلجأ إليه الجميع لاستشارته في مناحي الحياة، لكن لم يعرف أحد عمق المأساة حتى انتحر أخي، بعد علقة ساخنة امتدت لأسبوع، وحبس بغرفته، حتى أنه كان يبول على نفسه، انتحر أخي الأوسط، وسقط أبي من هول صدمته مغشيًا عليه، ولم يفق أبدًا، ظل راقدًا في سريره مشلولًا لخمس سنوات، حتى أنه كان يبول على نفسه أيضاً، ومات وهو يردد اسم شقيقي. مات أبي وهو يعلم أن تعذيبه لنا لم يجعلنا كويسين".

سارة، 26 عامًا 

 

"قررت أن أوقفهم مهما كلفني الأمر"

"بلغت من العمر أربعون عامًا ولازال أخي يضربني لأن مزاجه اليوم كان معكرًا، أو لأنني تركت كوبًا في حوض المطبخ، كنت أكبر أخوتي لكنني لم أتزوج، ربما النصيب أو سحرًا سفليًا كما تخبرني أمي، ضربني الشيوخ والقساوسة لإخراج الجن العاق من جسدي فأتزوج، لكن كل تلك العلامات الزرقاء على جسدي لم تشفع لي لدى المردة، فظلوا جاثمين على حياتي وظل العنف لصيقًا بما تبقى من عمري، تعنفني أمي لفظيًا كل يوم، إن تأخرت في نومي أو بقي الهاتف أكثر من المسموح في يدي، أما أخي، فهو يجتاح منزلنا كإعصار يومي، موعد ثابت أصبحت أفضل أن أقضيه نائمة، لكن في المرة الأخيرة، كنت لسوء حظه مستيقظة، وتكاسلت عن تحضير كوب الشاي، فدخل ورائي في المطبخ وألقى بالبراد في وجهي، لم أتمالك نفسي هذه المرة وحملت البراد وضربته عدة مرات، وحين أتت أمي على صوت صراخي، ضربتني هي الأخرى، كرهتها وكرهته، وتركت البيت للأبد. أعيش الآن في دار للمسنين، أعمل بها في رعايتهم مقابل إيوائي وطعامي، دعت أمي علي حين عرفت، فأخبرتها عبر الهاتف أنني سأحجز لها مكانًا في الدار حين يلقيها ولدها الكويس على قارعة الطريق".

شيرين، 41 عامًا 

 

"الألم صار لذة وأبحث عن أذى أبي في الآخرين"

"حياتي الحقيقية بدأت منذ التحاقي بالجامعة وسكني بالمدينة الجامعية، قبلها كنت أعاني من قسوة أبي وضربه الدائم لي. كان دائم النقد، "إنتي فاشلة" كانت جملته المفضلة إن نقصت نصف درجة، رأيته يمسك السكين لأمي، ويرفع عليها أنبوبة البوتاجاز، كنت أُضرب بالخرطوم، ليس لكوني أخطأت، بل لأني أجبت صح، فكان الأمر يعود دومًا لمزاجه الخاص دون النظر لصوابية الأمر. الآن أعيش في المدينة الجامعية، أؤذي نفسي بكافة الأشكال، وأسمح للجميع بإهانتي، أقوم بتشريط جسدي، لأنني أدمنت الأذى، أُصاب بنوبات هلع في أيام معينة لا أعرف لماذا، لم أُشفى حتى الآن رغم ابتعادي عنه، أريد أن أحمي إخوتي الأصغر وأمي منه، لكن ماذا أفعل؟ لا أعرف…".

ن.م.، 18 عامًا 

 

"تقبل العنف الأسري ليس برًا بالوالدين"

في يوم أحد، كما عادته الإسبوعية، خصص أستاذ الطب النفسي، الدكتور محمد طه، يوم الرسائل الأسبوعية لضحايا العنف الأسري، كان ذلك ردًا منه على واقعة هروب فرح من أذى والديها، وعن الهجوم الذي طالها من مناصري أذى الوالدين بدعوى برهما، لكن الطبيب الشاهد على مئات من ضحايا العنف الأسري كتب في مقالته الأسبوعية: "البر الحقيقي للوالدين هو أن أكون نفسي… وما كونش مسخ بشري يمشي على الأرض بسببهم أو بسبب غيرهم".

يفرق الطبيب النفسي بين بر الوالدين وبين تقبل الأذى النفسي، فيقول: "ليس من البر أن أعطيهم حق تشويهي أو السماح لهم بإيذائي نفسيًا وجسديًا، وليس المقصود بالبر أن أكون نسخة من والداي، البر ليس معناه أن يتم دفني حيًا، أو أن تكره البنت أنوثتها، ويُسلب الولد رجولته؛ البر الحقيقي أن تكون لي اختيارات في الحياة، والتي من الممكن أن تكون عكس اختياراتهم، وعليهم تقبل هذا كجزء من حقي". 

"وإن جاهداك على أن تشرك بي، فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا"، الأمر الإلهي واضح، فالآباء ليسوا آلهة مقدسة، لهم حق المعروف، أما الطاعة فلله وحده، وقول "لا" بكامل الأدب والاحترام والتعقل، هو من باب ذلك المعروف الذي حدده الله سبحانه وتعالى". 

 

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري