هل تهدّد السوشيال ميديا صحتك النفسية؟

هل تهدّد السوشيال ميديا صحتك النفسية؟

"قارنت حياتي بالآخرين… أصابني الاكتئاب وطلبت الطلاق"

لساعاتٍ طويلة يوميًا، كانت حبيبة أحمد تثبِت عينيها على شاشة هاتفها المحمول ولا تقوى على وقف التصفح، تتابع حياة الآخرين وتشعر بالحزن تجاه حياتها المختلفة عن واقعهم المثالي.

هل يمكن أن تلحق السوشيال ميديا الأضرار بصحتك النفسية؟ في بعض الأحيان، نعم.

 

 

أصابني الاكتئاب وطلبت الطلاق

تقول حبيبة، 34 عامًا، ربّة منزل: "كنت أقضي اليوم كله في مراقبة عبارات الحب والمفاجآت والحياة السعيدة التي تحظى بها النساء الأخريات، قارنت نفسي بهن رغمًا عني وشعرت بسخط شديد على حياتي، تشاجرت مع زوجي كثيرًا لأنه لا يقدم لي المعاملة المثالية البراقة التي أراها ومهما فعل أشعر أن حبه أقل مما يصوره الآخرون على الفيسبوك، أصابني الاكتئاب وأصبحت ألتهم الطعام دون وعي وزاد وزني كثيرًا، تحوّلت حياتي إلى كابوس وشعرت بأن هذه ليست الحياة التي أردتها وأنني أستحق أكثر، ولم أتوقف أبدًا عن طلب الطلاق".

وتضيف: "بعد فترة، فوجئت بانتحار زوجة كنت أتابع عبارات الغزل بينها وبين زوجها على السوشيال ميديا، قيل إنها تعرضت للضرب والإهانة من زوجها ففكرت كثيرًا في أن هذا العالم المزيف مجرد هراء وأنني خسرت كثيرًا بسببه، غادرت مجموعات النساء اللاتي أشعرتني أنني أقل، قلت لنفسي أنا قوية ولن أتحطم بسهولة، وأصبحت أقضي وقتًا أطول مع ابني وشغلت نفسي بأنشطة أخرى، عدت لحياتي الطبيعية بعد أن تقبلتُ حقيقة أن السوشيال ميديا مجتمع خيالي وأنها يجب أن تكون مجرد وسيلة للتواصل".

 

 

قضاء أكثر من 35 ساعة يصيب بالاكتئاب

ويقول الدكتور محمّد هاني، استشاري الصحة النفسية والعلاقات الزوجية، لـمرآه إن الدراسات أثبتت أن قضاء أكثر من 35 ساعة أسبوعيًا على منصات السوشيال ميديا يمكن أن يصيب الإنسان بالاكتئاب.

وتابع أنه في الفترة الأخيرة، زاد استخدام السوشيال ميديا بشكل مفرط بسبب قضاء وقت أطول في المنزل ولمتابعة الأخبار المتعلقة بفيروس كورونا، وكان لهذا انعكاسات سلبية على الصحة النفسية لأفراد الأسرة، فلم يعد الناس يستمتعون بحياتهم الحقيقية وتأثروا بالتشويش وبالأخبار السلبية والكاذبة، كما أصبح البعض يكره حياته الواقعية ويريد أن يغوص في حياته الافتراضية فقط، بالإضافة إلى مشكلة الانعزال الأسري التي صنعتها هذه المواقع.

وحذر الطبيب من أن الاستخدام المفرط لهذه المواقع يصيب الجسم بالإجهاد والصداع والأرق ومشكلات النوم وضعف التركيز، وأوصى بأن يكون تفقد الأخبار لمرة واحدة يوميًا حتى لا يصاب الشخص بمعدل مرتفع من القلق والتوتر، والتأكد من حقيقة الأخبار قبل التأثر بها ومشاركتها، وأن يلزم الشخص نفسه باستخدام معتدل.

 

 

مصدر ترفيه... وتقلل شعوري بالتوتر

تدمن علياء إبراهيم، 36 عامًا، صحفية، استخدام السوشيال ميديا ممّا يستنزف وقتها ويعوقها عن ممارسة هواياتها المفضلة، في بعض الأحيان تتوقف عن تصفح الفيسبوك إذا كان هناك كارثة أو حادث بشع حتى لا تشاهد صور العنف، أو تلجأ إلى تصفح انستغرام لأنها تكون غير مجبرة فيه على التفاعل وتشاهد صورًا تحسن مزاجها ولا تؤثر على صحتها النفسية.

لا تستطيع علياء استخدام التطبيقات التي تتحكم في استخدام السوشيال ميديا، لكنها أحيانًا تستخدم "وضع الطيران" لتعليق إشعارات الهاتف أثناء مشاهدة الأفلام، حتى في الأوقات التي تداهمها نوبات الصداع النصفي لا تستطيع التوقف عن متابعة هاتفها. تقول: "هناك أنفصل عن الواقع، أحدد ما الانطباع الذي يأخذه الناس عني، وأبحث عن  محتوى مضحك وأتعرف على ثقافات ومشكلات مختلفة، أعلم أنها عالم مزيف كما صوره مسلسل "بلاك ميرور" وأحيانًا أشارك معلومات عن نفسي ثم أشعر بالندم لأن الجميع أصبح يعرفها، لكنني أحبها وبفضلها أتواصل مع أصدقائي في دول كثيرة وأتسوق منتجات مختلفة وأحصل على الترفيه ويقل شعوري بالتوتر".

لم تستطع علياء التحكم في استخدامها لكنّها أجبرت نفسها على عدم تفقد حساباتها الإلكترونية قبل النوم لتحصل على قسط كاف دون قلق وإرهاق، لذا بنهاية كل ليلة تغلق هاتفها وتضعه خارج غرفتها.

 

 

كوني فعالة... وامنعي السوشيال ميديا قبل النوم

 

من جهةٍ أخرى، لم تتفق جميع الدراسات العلمية على أن مجرد استخدام السوشيال ميديا يضر بالصحة النفسية، فوجدت دراسة نشرها موقع "ميديكال اكسبرس" في أكتوبر العام الماضي، أنه ليس هناك ارتباط مباشر بين وقت الاستخدام ومعدلات القلق والاكتئاب لأن الصحة العقلية تتأثر بعوامل متعددة وليس بسبب واحد.

واقترحت الدراسة نصائح لاستخدام أكثر صحة لمنصات السوشيال ميديا، أهمها "أن يكون المستخدم فعالًا" فلا يكتفي بالتمرير وقراءة مشاركات الآخرين بل يشارك بنفسه ويتفاعل مع المحتوى، و"الامتناع عن استخدامها قبل النوم بساعة على الأقل" مع الحصول على قدر كافِ من النوم للحفاظ على سلامة الصحة النفسية، و"أن يحدّد الشخص هدفه من الاستخدام" فكلّما عرف ماذا يريد من السوشيال ميديا كلّما كان تأثيرها إيجابيًا عليه وليس مجرد إضاعة للوقت.

 

لم أستطع إبقاء تطبيقات التحّكم

منذ سنوات، لجأت أسماء رمضان، 34 عامًا، مدرسة مساعدة بكلية الإعلام، إلى تطبيقات التحكم في استخدام السوشيال ميديا لكنها لم تنجح في الاستمرار، أرادت أن تجبر نفسها على التركيز وإنهاء رسالتها الجامعية وإيقاف تفقدها لمواقع التواصل الاجتماعي طوال الوقت فاستخدمت برنامج يغلق الفيسبوك وتويتر وفقًا للمدة التي تحددها، ثم أزالته ولجأت إليه مجددًا وفي نهاية الأمر تركته.

حتى الآن تتفقد أسماء حساباتها الإلكترونية بشكل تلقائي كلما أمسكت بهاتفها ولا تستطيع التحكم بذلك، رغم أن حالتها النفسية تتأثر سلبيًا بالمحتوى الذي تقرأه وتشاهده.

أمّا مها محمد، 27 عامًا، متخصصة تسويق إلكتروني، فقد استطاعت التحكم بعد تقسيم وقتها بين رعاية منزلها وابنتها وعملها وبين التواصل مع أصدقائها عبر السوشيال ميديا.

تكتفي مها بثلاثة ساعات يوميًا فقط، وتحاول ألا تبتلعها العوالم الافتراضية. تقول: "الحياة الحديثة اختلفت كثيرًا بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، وبقدر ما جعلت تواصل الناس سهلًا جدًا، بقدر ما جعلتهم يفقدون الرغبة في اللقاء أو حتى المكالمات الهاتفية، يكفي فقط أن يتبادلون الكلمات عبر "الشات" أو يتفاعلون مع صور بعضهم، أو يتبادلون التهاني والعزاء من خلال التعليقات الإلكترونية فقط".

 

الأمر يتوقف على طريقة الاستخدام

دراسة أخرى نشرها موقع مدرسة هارفارد للصحة العامة العام الماضي دافعت عن السوشيال ميديا في العموم، وأكدت أن طريقة الاستخدام تتحكم في الإصابة بالاكتئاب أو القلق من عدمها، وأن الخطر لا يكمن في مجرد التصفح أو زيادة مدة الاستخدام.

وترى الدراسة أنه طالما كنا مستخدمين واعين فإن الاستخدام في حد ذاته قد يكون مفيدًا، فالسوشيال ميديا تمنح الإنسان شبكة علاقات اجتماعية قوية وتقدم له الرفاهية وهذا من أسباب دعم الصحة النفسية، رغم أن هذا الاستنتاج يأتي عكس نتائج الكثير من الأبحاث التي ربطت بين استخدام السوشيال ميديا والتأثير السلبي على الصحة العقلية وأعراض القلق والاكتئاب خاصةً بين الشباب.

واقترحت الدراسة لمن يقوم باستخدام غير صحي للسوشيال ميديا باللجوء إلى أحد برامج التحكم في الاستخدام التي تساعد بسهولة على تنظيم التعامل الذاتي مع هذه المواقع.

 

الخطر في مراقبة حياة الآخرين وإجراء مقارنة

دراسة ثالثة نشرها موقع "فوربس" في أغسطس الماضي، خلصت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي نفسها لا تسبب ضررًا، ولكن الاستخدام المتكرر لها قد يعطل الأنشطة التي لها تأثير إيجابي على الصحة العقلية مثل النوم وممارسة الرياضة، إضافةً إلى المخاطر التي قد تلحق بالشباب بعد مشاهدة محتوى ضار، أو مخاطر التنمر الإلكتروني.

على جانب آخر، أبدت الدراسة تخوفها من أن وسائل التواصل الإلكترونية جعلت الأشخاص لا يلتقون وجهًا لوجه وهذا جزء مهم من وجود صحة عقلية سليمة، إضافةً إلى مشكلة مراقبة حياة الآخرين وإجراء مقارنات لحياتنا معهم.

 

إذًا، ربّما حان الوقت لنحددّ أهدافنا من استخدام السوشيال ميديا، لنراقب أنفسنا جيدًا ولا ننفق ساعات طويلة دون جدوى، ولنعي جيدًا الفرق بين عالمنا الحقيقي وبين المنصات الإلكترونية للحفاظ على صحتنا النفسية.

 

 

 

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات 

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري