Miraa Images

عزيزي، الذكورية تدمرك مثلي وأكثر

لو فكرت مرة أخرى ستجد أن مشكلاتنا كنساء ورجال مع مجتمعنا ليست بعيدة إلى هذا الحد، لكننا نراها من زوايا مختلفة.

AddThis is disabled because of cookie consent

كنساء، نخوض حربًا طويلة للفوز بحقوقنا الإنسانية في المجتمع. نحارب لأجل التعلم، والوظائف التي نستحقها، والأجور المتساوية، والاستقلال المادي، وقوانين تحمينا من عنف الأسرة ثم الزوج، وحقنا في التصرف في أجسادنا وصيانتها بالشكل الذي نرتضيه. هذه قضايا عادلة جدًّا يمكن لأي إنسان أن يطالب بها، إلا لو كان امرأة… هنا يهب الرجال ليساوموننا على حقوقنا، ويتهموننا بأن قضايانا ما هي إلا تطرف من سيداتٍ مجنوناتٍ يتوهمن أن العالم يتآمر عليهن، وينزعون عن نضالنا إنسانيته، فلا يرون إنسانًا مظلومًا يصرخ، بل “دراما كوين” تلفت الانتباه لقضايا “عبيطة”.

تفسر الأنانية موقف الرجال حيال قضيتنا، ففي مجتمعات ذكورية تخضع لسلطة الرجل، يكون ميلادك كذكر أعظم ما تحظى به، لأنه سيمنحك حق التحكم في كل امرأةٍ حولك وقهرها، وإجبارها على الحياة التي ترضيك أنت، بينما يتسامح معك المجتمع مهما أخطأت، فلو مارست الجنس خارج إطار الزواج تصبح بطلًا بينما تحمل هي وصمة العاهرة… سترث ضعف ميراث أختك دون تكليفك بالإنفاق عليها، سيهاجم الناس أي امرأة تتحرش أنت بها، وستحظى بأي وظيفة ترغب بها براتب يفوق زميلتك، بل وستحظى بوظائف لا يسمح للنساء بتوليها حتى وإن كانوا أكفأ منك… من الطبيعي ألا تقبل مناقشة فكرة المساواة من الأساس خوفًا من فقدان امتيازاتك، ولكن إذا نظرنا بعمق لتلك المكتسبات سنراها كارثة تدمر حياتك مثلما تمر حياة المرأة… تعال أخبرك يا عزيزي عن أشياء يدمرك بها المجتمع الذكوري، والتخلص منها في صالحك مثلي تمامًا.

 

عدم احترام إنسانيتك

تتلاعب القيم الذكورية بإنسانيتنا ببشاعة، كنساء وكرجال أيضًا. الذكورية في الأساس وجهة نظر ترى الرجل أفضل من المرأة وأحق بالسيطرة على موارد الحياة وتفاصيلها، لهذا تقهر النساء بعنف وتحاربهن ليصبحن الطرف الخاضع والمستسلم، ومن ناحية أخرى تجهز الرجال لدورهم في المجتمع عن طريق قهرهم وإجبارهم على الغلظة والقسوة.

تُجرد الذكورية الرجل من الإنسانية، تربيه على أنه أفضل وأرقى من الآخرين، وتتحقق أفضليته عن طريق قهر من حوله وإخضاعهم، فيتربى الطفل الذكر على أن البكاء انتقاص من رجولته، وأن مشاركته في تنظيم البيت الذي يعيش فيه إهانة لأن أمه وأخته تخدمانه، وأن الحرية من حقه لكن عليه تقييد أخته والتحكم فيها. هكذا يصبح أقل تعاطفًا وشعورًا بمعاناة الآخرين، وأناني لدرجة تجعله لا يبالي ما دام من يحترق شخصًا غيره، فيردد ببراءة: “هذا حقي وما تربيت عليه… هذه هي الأصول”.

هل تخلق هذه التربية إنسانًا سويًّا قادرًا على فهم الحياة والتفاعل معها بعدل؟ بالتأكيد لا، إنها بداية الطريق لخلق شخصية مضطربة مؤذية تعجز عن إقامة علاقة إنسانية طبيعية، قوامها التواصل والتفاهم، لأنها بُرمجت على إصدار الأوامر، ويجب تنفيذ هذه الأوامر وإلا أهينت رجولة صاحبها. من هنا يأتي الرجال الذين يحرمون زوجاتهم من زيارة الأهل، ويضربونهن لأتفه الأسباب، ويغتصبونهن، ويمارسون عليهن القهر النفسي، ويسرقون ميراث أخواتهم، يختنون بناتهم، بل ويقتلونهم لو شكوا في أخلاقهن، بينما يتحرشون بأي امرأة في المجال العام… باختصار: تحولهم الأفكار الذكورية إلى وحوش.

 

تعيش صراعًا دائمًا بلا مبرر

في المنظومة الذكورية يضطهد الرجال بعضهم بعضًا أيضًا، كأنه صراع بين وحوش الغابة، فإذا كنت نحيل البنية مثلًا وتسير مع فتاة تحبها، فمن الوارد أن يتحرش بها مجموعة من ضخام الجثة على سبيل إذلالك أمامها، وإثبات تفوقهم عليك… وإذا كان مظهرك مختلفًا عن السائد، بشعرٍ طويلٍ مثلًا أو ملامح طفولية، ستجد من ينعتك بألفاظٍ مسيئة طوال الوقت، لأنك – في عرف الثقافة الذكورية – لست رجلًا بما يكفي. هكذا تعيش حياتك كلها مشدود الأعصاب لتثبت أنك “رجل”، وتحمي نفسك من أذى المتخلفين… فما أثر هذا على نفسيتك إلا القهر الذي تفرغه في أقرب امرأة إليك؟ من هنا تخسر كل فرصة في إقامة علاقة سوية مع المحيطين بك.

 

تختزل في أدوار غير آدمية

تشكو النساء من أن المنظومة الذكورية تحصرهن في أدوارٍ بعينها، والأمر لا يختلف كثيرًا بالنسبة للذكور، وإن كانوا أقل وعيًا منّا بهذا. تربينا مجتمعاتنا على أن نكون بنات بارات، ثم زوجات مخلصات، ثم أمهات متفانيات، ويا حبذا لو كنا منزوعات الطموح والعقل لِئلا نطالب بأكثر من طعامنا وشرابنا ورضا ولي الأمر عنا. ورغم كوننا في زمنٍ أحرزت فيه البشرية تقدمًا حضاريًّا واجتماعيًّا عظيمًا، فإن قسمًا كبيرًا من مجتمعنا لا يزال يرى أن الدور الأساسي للنساء في المنزل، فندفع من أعمارنا وصحتنا وتوازننا النفسي الكثير لنحظى بحقوقنا، أما الرجال فيدفعون ثمنًا آخر.

اختزال المرأة في دور الخادمة والمربية يعوضه اختزال الرجل في دور ماكينة الـATM التي لا تتعب ولا تكف عن الدفع لتحظى بأبسط احتياجاتها الإنسانية، وهو ما يلمسه الشباب عندما يقتربون من منظومة الزواج، خصوصًا في مصر، فيجد الشاب نفسه مطالبًا بدفع مئات الآلاف من الجنيهات ليؤسس أسرة، وينال احتياجًا إنسانيًّا بسيطًا وهو الإشباع العاطفي والجنسي مع شريكة حياة تسانده وتحبه. بالتأكيد يشكو الرجال من المهر المبالغ فيه، والشبكة الغالية، ومتطلبات تأسيس البيت الكثيرة، وضرورة أن يشتري شقة مع رفض الأهالي لفكرة المسكن المؤجر، ثم يكتب مؤخر صداق ضخمًا، ويوقع على قائمة منقولات يمكن أن يُسجن بسببها. هل وضعت النساء هذه الشروط؟ أم منظومة ذكورية تتاجر في المرأة، وتضع لها ثمنًا مناسبًا يُجبر الزوج على صون ما دفعه فيها؟ إنه شكل آخر من أشكال تحطيم الذكور بعضهم لبعض على حسابنا وباستخدام سلطتهم علينا، وامتداد للنقطة السابقة.

 

أنت سجين الابتزاز العاطفي

مع تمجيد القسوة والتعاطي العنيف مع الحياة، تسلب المنظومة الذكورية الرجال حقوقهم في إبداء الضعف، فأول تعليمات الأبوين لابنهما: “لا تبكِ، البكاء ضعف والرجال لا يبكون”، ليرسخوا فيه أن يتظاهر دومًا أنه بخير مهما كان ممزقًا، مع الأضرار النفسية الفادحة لمثل هذا التصرف. لا يتوقف الأمر عن منع البكاء فقط، بل ليس من المستحب أن يعترف الرجل بتعبه، أو عجزه عن مواصلة أمر مرهق، أو التراجع في منتصف طريق مسدود، لأن الإقرار بأيٍ من هذا انتقاص من رجولته وكرامته، ومدعاة للإهانة والتنمر والنبذ الاجتماعي.

هناك صورة معينة ترسمها الثقافة الذكورية للرجل الحق، فهو قوي لا يبكي ولا يضعف ولا ينهار، لا يشكو أبدًا، ويفر من العاطفة ليتعامل بخشونة، هذه الصورة دفعت الكثير من الرجال لنبذ مشاعرهم ورغباتهم بل وحتى أحلامهم، انتصارًا لنموذج وهمي من القوة والفتونة والسيطرة. وهكذا نرى رجالًا أحبوا ثم تخلوا عن حبهم وتزوجوا أخرى اختارتها العائلة، لأن كل من حوله اتهمه بالضعف بسبب تمسكه بها! وهكذا أيضاً نرى رجالًا يسيئون معاملة زوجاتهم علنًا كي لا يتهموا بأنهم يتعاملون برقة، والرقة مرادف للضعف وقلة الرجولة.

مع هذه التربية لا تتوقع سوى مرضى نفسيين بحاجة لإنقاذ من أفكارهم، حتى لا يموتوا في سنٍ صغيرة من فرط ما يحتملون في قلوبهم، ليس خوفًا من الرجال فقط، بل خوفًا من النساء أيضاً… لأنهم يظنون أنهم سيخسرون احترام نسائهم لو تصرفوا بشكلٍ لطيفٍ آدمي.

 

التناقضات تضطهدك أنت أيضاً

“هذا الرجل سيء، أنتِ لن تعرفي هذا لكنني أعرف لأنني رجل مثله”… عبارة يرددها الرجال ليلًا ونهارًا حتى ابتذلت، وقد بلغ ابتذالها مرحلة جعلتها نكتة في الأفلام الكوميدية، ومع هذا فإنها صادقة للغاية، ومعبرة تمامًا عن اضطهاد الثقافة الذكورية للرجال، وتأثيرها على أعصابهم وعقولهم.

تربي الذكورية تناقض وقحًا في الرجال، فما يحرصون عليه في حياتهم ينتهكونه بأريحية في حياة سواهم… يقول المتحرشون أنهم لا يقبلون ما يفعلونه على أخواتهم، ونسمع عن رجال يمارسون الجنس مع نساء متزوجات، ويتلذذون بفكرة أنهم يخدعون رجلاً آخر غافلاً، بينما يضيقون على نسائهم الحياة ليضمنوا ألا ينالوا نفس الصفعة من رجلٍ آخر. وفي حال كنت شخصًا مستقيمًا وشريفًا لا يؤذي الآخرين هكذا، فسوف تعيش في رعبٍ من أن تؤذي أختك أو أمك أو زوجتك من آخرين ينتهكون النساء ليشعروا بأفضليتهم وقوتهم.

هذه لمحاتٍ من الأذى الذي تسببه الثقافة الذكورية للرجال، والتشوه الذي تلحقه بهم. في نضال النساء للفوز بحقوقهن في المجتمع لا يسعين لسلب الآخرين حقوقهم، بل ببساطة دفع الظلم والتشوه عن آلاف البشر الأبرياء الذين تهدَر حياتهم في صراعاتٍ عبثية أمْلتها عليهم أجيال قديمة خائبة وجبانة، لم تفهم معنى التحاور واختارت القهر بدلًا من العقل… نحن ببساطة نريد أن يستوعب الرجال أن الحقوق ليست فطيرة على كل طرفٍ أن يأخذ القطعة الأكبر بأي ثمن!

في مجتمع يحظى بالمساواة ستعيش إنسانًا كاملًا، يتحمل مسؤولية نفسه ولا تهمه تصورات الناس… لن يبتزك أحدهم بأن “أترضاه لأختك؟”، لأنك ستجيبه بأن أختك إنسان كامل مستقل لا تعنيك اختياراته وإنما تربطك به علاقة حب واحترام ودعم. ستختار لنفسك حياةً ترتضيها دون ابتزاز عاطفي أو تحمل ما لا طاقة لك به، وستبني علاقاتك الإنسانية على القبول المتبادل دون اللجوء لمظاهر كثيرة تافهة يوافق عليها المجتمع ليمنحك الإذن بالسعادة والحياة.

يطمح كثير من الرجال لعلاقات عاطفية بسيطة مثلما يرى في الغرب، وزيجات أبسط وألطف مع نساء غير مهتمات بالشبكة والمهر قدر اهتمامهن بالرجل الذي يتزوجنه، والحياة في بيئة خالية من الصراعات المستمرة، لكن… هل تظن أنك ستحظى بهذا حقًّا وأنت متمسك بكل امتياز ظالم يسلب النساء حقوقهن كل يوم؟

لقد أُفرزت أنانية الرجال وتعاميهم عن لب قضية حقوق المرأة، وأنها قضية ظلم إنساني بالدرجة الأولى، في خلق خطابًا نسويًّا متطرفًا حول المشهد أحيانًا إلى خناقة رجالة وستات سخيفة وطفولية… ولكن إذا نظرت بتمعن وأعدت التفكير في الثمن الذي تدفعه لامتيازاتك كشرقي ذكوري، ستراها أقل بكثير من امتيازاتك كإنسان، مثل الذين تسعى للهجرة والعيش وسطهم بالخارج، وتحسدهم على حياتهم الهينة.

AddThis is disabled because of cookie consent

Miraa Divider
Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات 

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري