JPEG - Miraa cancer thumbnail.jpg

سألنا نساء مررن بتجربة سرطان الثدي: ماذا فقدن؟

Article Details

سألنا نساء مررن بتجربة سرطان الثدي: ماذا فقدن؟

كيف تستمر الحياة بعد أن تفقد المرأة رمز أنوثتها؟

رسوم نيومي حنين

ليلة مرعبة، تلك التي قضيتها وأنا أتحسس أسفل ذراعي الأيمن. أقلب صدري من جميع الجهات، أقبض بأصابعي على فم الرضاع، اعتصره فتستجيب، بعد عشر سنوات من انقطاع الحليب، يعود في ليلة سبتمبرية حارة ليخبرني أن السبب ليس جنينًا ينمو في أحشائي، بل على الأرجح سرطان نما في غفلة مني في حشايا ثديي الأيمن، وجوم وصمت ثم نوم لم يكن كالنوم، بل كان شبيه بالموت، وعندما استيقظت، اتخذت قراري: سأذهب وحدي للطبيب و لن أخبر أحدًا. 

في عائلتي لم يتعرض أحد لتجربة سرطان الثدي، لا يوجد لأسرتي إرث سرطاني؛ يبدو هذا مريح، لكن الأمر ليس كذلك في عائلة زوجي، فقد ماتت أمه بالسرطان بعد إسبوعين من ولادته، لم تكن تقنيات العلاج قد وصلت لما هي عليه الآن من حداثة، ورفضت المرأة الثلاثينية أن تخضع لجراحة لإزالة ثدييها لتشفى من المرض البطال، فقررت أن تحمل بطفلها الأخير، وتموت به. بعد أربعون عام على وفاة الأم تصاب الإبنة الكبرى، وتحذر البنات الخمسة والحفيدات، بضرورة الكشف المستمر. لن يتحمل زوجي الخبر، سيقتله الشك قبل اليقين. أعلم أنه مصاب بالقلق، الذي يدفعه أحيانًا للتصرف عكس ما يريد، وضد ما أرغب، ففضلت الوحدة على أن أشاركه شكوكي ويشاركني توتره. عزمت سرًا على طلب الطلاق، إن صدقت الشكوك. 

لن أموت مرتين، السرطان سيقتلني مرة واحدة، لكني لن أكون واحدة من القصص التي سمعتها مرارًا عن الخذلان الذي تعرضت له الكثيرات ممن كانوا ضحايا للمرض الخبيث، ولخبث أشد منه، نالهم من مأمنهم، ففقدوا مع أثدائهن من كانوا لا يتوقعون أبدًا أن يفقدوهم. لن أضع نفسي موضع شفقة وانتظر تعاطف لن يأتي، لن أحمل ذكريات جديدة عن تخلٍ جديد.

مع انتهاء اليوم، كنت قد انتهيت من استشارة هاتفية مع صديقة، وزيارة مسائية لطبيب مختص، أما النتيجة فكانت مطمئنة، فبعض الاشتباهات هي غدد هرمونية. مر الأمر بسلام هذه المرة، فأخبرت الجميع. 

"عندك سرطان ثدي"، كانت الجملة مرعبة للفتاة التي شارفت على إتمام عقدها الثالث، لم تخفف اللغة الإنجليزية التي نطقت بها الطبيبة من أثر الصدمة على نسرين، الشابة التي لا تزال تعد الأيام لتنهي استعداداتها للزفاف القريب. لم تستوعب أمها الأمر في البداية، كانت رفيقة ابنتها طيلة أيام التحاليل والأشعات التي تم إجراؤها للتأكد من المرض، طلبت من طبيبة الأورام أن تراجع الأوراق مرة أخرى، أو حتى أن تعيد الكشف على ابنتها من جديد، أو الأفضل أن يجربا معملًا آخر، مركزًا مختلفًا للأشعة، ربما يكون الخطأ معمليًا، كانت الأم تهذي والإبنة صامتة، تتابع في ذهول ما يحدث، وهي لا تسمع شيئًا، فقط توقف سمعها عند الجملة الأولى: "عندك سرطان ثدي". 

رحلة طويلة اجتازتها نسرين، كي تشفى من السرطان، تتذكر كل تفاصيلها المؤلمة، بدءًا من الاكتشاف وهي الآنسة التي لم تتزوج بعد، مرورًا بالعملية التي خرجت منها وقد تغيرت ملامح نصف جسدها الأيمن، ثم رحلة طويلة بالكيماوي، ثم لا تزال تكمل علاجًا هرمونيًا ممتدًا لخمس سنوات، لكن الأكثر إيلامًا كانت تلك اللحظة التي لا تزال تتذكرها حين أخبرتها أم خطيبها تليفونيًا أن كل شيء قسمة ونصيب، لم تفهم نسرين معنى الجملة في البداية، اعتقدت أنها تقصد المرض، فحماتها لم تأتي لزيارتها منذ أخبرت خطيبها بمرضها، "نعم كان المرض قسمتي ونصيبي"، هكذا ردت الشابة، قبل أن تكمل الحماة: "والزواج كذلك يا حبيبتي قسمة ونصيب، وولدي ليس من قسمتك". أغلقت نسرين الهاتف، ولم تبكِ، كان ذلك أمرًا متوقعًا، رأته على وجه خطيبها في الزيارة الأخيرة، حين سألها هل ستترك العملية أثرًا على صدرها كاملًا، أم سيزال الورم فقط؟ أعطته الجواب كاملًا، و لكنها لم تحسن تفسير الصمت. 

في حجرة الكيماوي بمعهد الأورام كانت نسرين تتشارك الألم مع أربعة آخرين، يتحملون جميعهم جحيم الكيماوي الذي يسري في أجسادهم، ويتجاذبون أطراف الحديث عن حياتهم بعيدًا عن السرطان ومآسيه، لم تكن نسرين الوحيدة التي فقدت رجل هرب منها لأنها لم تعد كاملة الأنوثة، لكن قدرها كان أخف وطأة من السيدة الخمسينية التي تعالج من السرطان للمرة الثانية، بعد فقد ثدي أيسر وزوج، كان التخلي هو أيسر ما يقدمه لشريكة العمر. 

ليس كل الخذلان فراقًا، ربما كان بقاءًا بطعم الفراق، العمر لم يعد يتحمل أن يفارق الرجل زوجته، ماذا سيقول عنه الأبناء؟ كيف ستأتي سيرة الرجل الذي تخلى عن زوجته المريضة على ألسنة الجيران والأقارب؟ ليس ضروريًا أن يرحل رحيلًا تامًا، سيبقى لكنه لن يكون موجودًا. بعد أن خرجت فاطمة من غرفة الإفاقة، بعد جراحة استمرت 6 ساعات، لم تجد سوى إخوتها وأبناءها الثلاثة، أما الزوج، فقد أجهده التعب، وغادر إلى المنزل، ولم يعد سوى بعد ثلاثة أيام، كانت قد سألت فيهم عنه عشرات المرات، وكان هو يكتفي بالتواصل الهاتفي معها، ويخبرها أنه قادم إن شاء الله، لكنه لم يشأ ولم يأت. 

بعد تعافيها من الجراحة، بدأت في استشعار نظراته التي تتعقب الجزء الناقص من جسدها كلما غيرت ملابسها أو نسيت وضع الثدي الصناعي الذي تكفل به طبيبها الخاص، رغم الباروكة التي اشترتها ابنتها لها كي لا تستشعر حرجًا من وقوع شعرها بعد الكيماوي، كانت تسمع صوت ضحكاته المستهزئة إذا ظهر باطن رأسها حين ينزاح الشعر المستعار يمينًا أو يسارًا، أصابها الاكتئاب، وكان سرطانًا فوق السرطان، أخبرها الطبيب أنها ستقع قريبًا فريسة من جديد لوحش يستوطن خلايا جديدة في جسدها، لم تخف هذه المرة، قررت استقبال الموت بصدر رحب، كبديل عن الهزيمة اليومية أمام الحياة. 

أخبرها زوجها في إحدى الليالي أنه لم يعد يتقبلها كزوجة، ولا يستمتع بحقوقه الشرعية معها، فقرر الزواج، لم تخبره أنها تتقئ في كل مرة يجثم على جسدها لتلبي له حقه الشرعي، فوافقت وأعفته من العدل حين التعدد، فهي اكتفت بما قدمت، وللأخرى ما يتأخر. خرج الزوج من منزل فاطمة، ربما كانت المرة الأولى التي تتنفس فيها بعمق بعد عودتها من الغرفة رقم 15 بقسم الجراحة بمعهد الأورام، بالتدريج زال الاكتئاب، وعادت الرغبة في الحياة تتجدد في جسدٍ كان قد شارف على الموت، لكن فاطمة صاحبة الابتسامة الصبوح قررت أن تخلع الشعر المستعار وأن تتقبل الكيماوي الجديد بنفسٍ جديدة. 

الموجات الحارة في صحراء الجزائر لها قصص أخرى، تبدأ بالسرطان وتنتهي بالطلاق، 11 ألف حالة سنويًا لمرض سرطان الثدي بحسب تقرير المعهد الجزائري للصحة العمومية، صادر في عام 2018، حيث يحتل السرطان المرتبة الثانية لأسباب الوفاة في الجزائر، تعاني محاربات السرطان في الجزائر من الوصم الاجتماعي، ومن ارتفاع معدلات الطلاق بسبب المرض، حيث تواجه ثلث المصابات بالمرض فقدًا آخر غير مظاهر أنوثتهن البادية، فمع استئصال الثدي وسقوط الشعر وهزال الجسد، تفقد المحاربة حياتها كلها؛ زوجها وأبنائها وربما عائلتها كلها. 

4 سنوات عانت فيهم زبيدة من سرطان الثدي، تغيرت حياتها تمامًا، رغم كل محاولاتها للقيام بكل أدوارها، لم يشفع لها اهتمامها ببيتها وأولادها رغم هزال جسدها، لم تعني باروكة الشعر سوى سببًا للاستهزاء، رغم أنها احتمت بها من نظرات السخرية من أهل زوجها بسبب تساقط شعرها. بعد استئصال ثدييها، كان زوجها يغلق النور في كل مرة يريد فيها مجامعتها. شارف علاج زبيدة الجزائرية من السرطان على الانتهاء، لكن رجلها لم يعد يتحمل أكثر، فتزوج أخرى، تتمتع بكامل لياقتها الأنثوية، ويبرز صدرها مواجهًا العالم وسرطان زبيدة. تقول أنيسة الشقيقة الصغرى لزبيدة أن أختها لم تتحمل ما حدث، وبعد ستة أشهر من الزواج الجديد، فارقت الحياة، ليس بسبب السرطان الذي عولجت منه، لكنه الخذلان الذي لا علاج له. 

 

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري