miraa image

عزباء وليست عانس

Article Details

عزباء وليست عانس

متى ينقرض شبح العنوسة الذي يطارد مئات النساء في المجتمعات العربية؟

رسوم ريم العطار

"تجاوزتِ سن الخامسة والعشرين ولم تتزوجي بعد؟ حتمًا أنت عانس بائسة، بلا أحلام، تعيشين تحت ظل مجتمع ظالم، تسقطين من نظره حتى تدخلين القفص الذهبي إن وجدت من يتزوجك".

هذا ما قالته إحدى الفتيات التي عانت الأمرين على مدار سنوات طويلة من الاضطهاد والتعنيف من مجتمعها، فقط لكونها رفضت عريسًا تلو الآخر لأنها لم تجد فيهم صفات شريك حياتها المناسبة بنظرها.

لا عجب أننا في القرن الواحد والعشرين ولازالت المجتمعات العربية لا تتوقف عن إلقاء أصابع الاتهام على المرأة ووضعها في حلبة مغلقة من الصراعات النفسية والاجتماعية التي قد تجعلها ترضخ لشروط ومعايير الحياة المثالية بنظر تلك المجتمعات. ولازال شبح العنوسة يطارد مئات الألوف من الفتيات اليوم وامتد الأمر ليطال "موسوعة ويكيبيديا العالمية" والتي تتناوله بتفصيل وكأنه قضية شائكة تستحق التأريخ، في حين أن ما يستحق الحديث عنه حقًا هو: لم أصبح "عدم الزواج" قضية نساء الشرق الأوسط؟ ولم بات مصطلح عانس بمثابة "إهانة" قد تجلد عليها المرأة كل يوم، أو "حالة بؤس" تستدعي الشفقة؟! كيف كبر وتشعب كالشبح الذي يطارد المرأة العربية وازداد نفوذه ليطال أحلامها ونجاحاتها ويحجم إنجازاتها في الحياة لتقيم وفقًا لكونها وقعت فريسة له أو استطاعت الفرار بجلدها وأصبحت "متزوجة " قبل أن تصبح سيرة في لسان نساء الحارة؟ 

لا شك أن الزواج "سنة من سنن الحياة" لكنه ليس الحياة بأسرها! ففي الحين الذي يجب أن تسأل بعض النساء الناجحات عما جابهن من صعاب حتى يصلن إلى مستوى علمي معين، أو يحققن إنجازًا ما في سيرة حياتهن، يسألن عن "لم لم يتزوجن بعد؟"... 

 

 

"عانس" اصطلاحًا

في اللغة، عَنَسَ الرجل: لم يتزوج، عَنَست البنت: طال مكثها في منزل أهلها/لم تتزوج بعد، أي أن المصطلح لغة وتفصيلًا لم يكن ليخص المرأة وحدها دونًا عن الرجل، ومع ذلك لم نسمع من قبل عن رجل "عانس" مثلًا! ذلك لأنه وحتى في تصنيفات الأحوال الشخصية توجد كلمة "أعزب" والتي هي أكثر دقة ورسمية ولربما تهذيبًا في وصف حال الرجل الذي لم يتزوج، فلم لا نأخذ الأمر بتلك البساطة عندما يتعلق بالمرأة التي لم تتزوج ونكتفي بالقول عن فلانة أنها عزباء؟ 

 

زواج دوت كوم

قد لا نتوقف عن سماع مثل تلك الإعلانات الهابطة "احجزي مقعدك في قطار الزواج عبر موقع تعارف دوت كوم"، "حملي تطبيق - زفافنا - لإيجاد شريك حياتك المناسب بسرية تامة"، "هل تخافين من العنوسة؟ ليس بعد مع الخطابة أم حسين عبر الواتساب…

عن ذلك الموضوع التقينا بـريهام، 32 عامًا، خريجة كلية التجارة، والتي خاضت إحدى التجارب بعد سماعها مثل تلك الدعايات، رغم أنها لم تكن تخشى شبح العنوسة ولا تعاني من أي مشاكل أو اضطهادات من كونها لم تتزوج بعد، لكن قادها الفضول للتجربة بعد أن سمعت من إحداهن عن أحد التطبيقات، والذي كان يسوق له على أنه قائم تحت إشراف فريق من علماء النفس ويعتمد على تحليل شخصيات الأفراد لمساعدتهم في اختيار شريك الحياة المناسب عبر تلك الشبكة الوهمية، وفقًا للتقارب الفكري والنفسي. تقول ريهام: "كانت تلك من أطرف التجارب التي خضتها في حياتي! شعرت حينها بسخافة ما يحدث للمرأة من خلال الأسئلة التي تم طرحها علي ممن يدعون أنهم علماء نفس ومدربين حياة، إضافةً إلى ذلك، أعتقد بأن معاناة المرأة تكمن في كونها دائمًا محط أنظار المجتمع، ماذا تفعل؟ ماذا ترتدي؟ وكيف تعيش ولم لم تتزوج حتى الآن؟"، وتردف: "رغم أني في بيئة صحية وأكثر انفتاحًا مما قد تمر به الأخريات ممن "فاتهن القطار" كما يقال، إلا أني لابد أن أصادف في حياتي اليومية تلك الفئة من الفتيات اللواتي ينظرن لي بنظرة ملؤها الشفقة عندما أخبرهن أني لست متزوجة، وغيرهن من اللواتي يربتن على كتفي ويدعون لي بالزوج الصالح خوفًا من أن أموت وحيدة". 

 المحزن أكثر بنظر ريهام هو أن تموت المرأة دون أن تترك بصمة في مجتمعها، ودون أن تحقق ما يرضي طموحها الحقيقي.

 

تجربة اجتماعية لا قاعدة لها

تعتقد بشرى الحور، طبيبة أسنان، 27 عامًا، أنه لا يوجد سن معين للزواج، لأن المسألة تعتمد على جاهزية الأفراد واستعدادهم لخطوة كهذه وتضيف: "على صعيدي الشخصي أفضل الزواج في سن مبكرة وذلك لأني أحب فكرة إنجاب الأطفال في بداية الزواج وتقارب الأجيال وأرى أنه صحيًا، سن العشرينات يبدو الأنسب للإنجاب حتى يرتاح الجسم فيما بعد"، لكنها تقول أيضاً أن تلك ليست بقاعدة ثابتة لأن الزواج تجربة اجتماعية من تجارب الحياة الكثيرة التي قد تخاض وقد لا تخاض، وهي بحد ذاتها لا ترفع أو تقلل من شأن المرأة لذا أنه ليس من العادل أن يتم تصنيف المرأة وفقًا لحالتها الاجتماعية، ولا يوجد ما يستدعي الإهانة في كونها "لم تتزوج". وعن تجربتها الشخصية وهي طبيبة ناجحة وأم لطفل تعتقد أن الزواج ليس بالأمر السهل وتضيف: "أقول لكل من هو مقدم على تلك الخطوة أنه يجب أن يأخذها على عاتق الجد ويتحمل تبعاتها من مسؤوليات وتقديس مفهوم الزواج، وأن الأسرة هي الأولوية التي يجب أن يكون لها الصدارة في مسارات الحياة". 

 

الهرب بحثًا عن السلام النفسي

تحكي لنا "مريم ر." (اسم مستعار) والتي غادرت بلادها لتسكن في إحدى الدول الأخرى وتمارس حياتها بصورة طبيعية هربًا من نظرات مجتمع لا يرحم: "في قلبي الكثير من الحكاوي في هذا الشأن، تستطيعين القول بأني هربت من قريتي التي أحب بحثًا عن الأمن والراحة النفسية التي فقدتها منذ عشرة أعوام حين صنفت وفقًا للإحصاءات الرسمية "عانسًا" ووفقًا لنساء حارتنا وبناتهن بـ"المسكينة العانس"، فقط لأني لم أجد شريك الحياة المناسب". مريم فتاة في السادسة والثلاثين من عمرها، مدربة رياضة في إحدى النوادي المعروفة، ارتبطت مرتين من قبل لكن لم يكلل الأمر بالزواج، تقول: "لم يتوقف جميع من حولي عن تذكيري من الحين للآخر بأني السبب في ضياع "عرسان لقطة" - على حد وصفهم - من بين يدي، والبعض الآخر كان يصفني بالمغرورة ذلك لأني لم أتحمل بخل أحد المتقدمين لي فرفضته". وتعتقد بأن حياتها اليوم أفضل فقط لأنها اختارت العزلة والاستقلال والعمل على صقل مهاراتها، تضيف: "لا أتوقف عن التخطيط كل يوم لمستقبل أفضل، يراني البعض قد كبرت لكني أعتقد بأن السعادة تنبع من الإنجازات التي نحققها في الحياة، وأنا اليوم أسعد مما يكون"، وعن الزواج: "ليس إنجازًا، لست ضده لكني كرهته من كثرة شعوري أنه فرض عين، إذا لم أسارع في تحقيقه سأنتهي!".

أخيرًا، ما لا شك فيه أن الزواج مرحلة جديدة ولا يمكننا التقليل من حجم تلك التجربة الاجتماعية الثرية، لكن يبدو الأمر مقيتًا عندما يرتبط بقائمة الإنجازات العظيمة في حياة المرأة وكأنها أعدت رسالة دكتوراة ناجحة أو اكتشفت كوكبًا جديدًا في المجرة مثلًا! من منطلق "ظل رجل ولا ظل حيطة"...

 

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري