Miraa Article banner

مش كله تمر حنه

Article Details

مش كله تمر حنه

عن دق الوشم وتاريخه بين نساء المنطقة.

Miraa Articles

أحاول كل صباح أن أقول لنفسي في المرآة أو في صحبة قهوتي الصباحية: “أنتي جميلة، أنا أحبك”، لا يأتي بالضرورة كل صباح بهذه التذكرة، لكني أحمل ثلاثة عشر وشمًا على جسدي لتذكرتي برحلة طويلة قضيناها أنا وجسدي سويا لاثنين وثلاثين عام يستحقون حبي.

أبحث قليلاً في تاريخ دق الوشم فسريعًا أتحمس حين أجد اكتشاف مومياء مصرية في عام 2014 تحمل اسم “ذات الوشم” لامرأة مصرية لديها ثلاثون وشمًا رغم أن عمرها لم يتجاوز أربعة وثلاثين عام، عاشت بين 1300- 1070 عام  ق.م. غالبًا ما كانت كاهنة ذات شأن عالِ؛ ولم تكن الكاهنات فقط من تدقن الوشم، إنما أيضاً الراقصات الفرعونيات.

اختلفت الأسباب ودُقت الوشوم، منتشرةً على أجساد النساء والرجال في منطقتنا العربية وأفريقيا منذ القدم. دُقت الوشوم للتمييز بين القبائل وعلاج لمختلف الأمراض النفسية والعصبية والعضوية ولجلب العرسان وبركة الإنجاب. أما في بعض قبائل أفريقيا، الوشم وسيلة لعدم ارتخاء ثدي المرأة وفي أخرى للاحتفال ببلوغ الفتيان. كما دُق حماية من الحسد أو لمواجهة قوى غيبية شريرة. وفيما قيل عنه:

“دقوا الوشم الإباحي لئلا يطيل أحد النظر إليهم حياءً منه، فيسقط الحسد الذي يُعتبر النظر أول خطوة فيه”

قرأت أن كثيرًا ما دقت النساء الوشوم للتزين وإبراز جمالهن وخاصةً بالوجه فدقتنَ الوشم حول الشفاه والحواجب. غلبت الأشكال الهندسية وصور الحيوانات والطيور في رسم الوشم، وتراوحت جماليات ومواسم ومسميات وأسباب دق الوشم بين الأمازيغيات المغاربة و الشاميات والعراقيات ونساء قبائل الأردن تبعاً لخصوصيتهن الثقافية.

يأتي فصل الربيع  وتأتي زيارة نساء أُطلق عليهن النوريات، تدقن للبدويات الوشوم قبل الزواج مستخدمات سبع أبر توضع بالبداية بمزيج من الفحم والزبدة مثلًا لإعطائها اللون الأسود. ورسمت الغجريات الوشوم لنساء صعيد مصر على وجوههن فمنهن من دقت سهمين متوازيين دلالةً على الجرأة، ومن أرادت الإشارة أنها مستعدة للزواج رسمت خطاً يمتد من الشفاه حتى أسفل الذقن وعلى جانبيه نقاط زرقاء أو خضراء. حملت الغجريات معهن معدات من إبر الوخز، ومادة تُركَّب من الهباب وتُمزج المادة بلبن امرأة ترضع طفلها، ليُطلى المزيج على مكان الوشم بعد دقه.

 

شاهدي الفيلم الوثائقي القصير “الدق العربي”:

كانت أول ذكرى لي مع الوشم من خلال فيلم “تمر حنة” لرشدي أباظة ونعيمة عاكف عام 1957 حتى أن سألني أحد “كيف تتخلصي منه إن أردتي؟” فكنت أمزح أني سأفعل مثل رشدي أباظة حين أراد أن يزيل رسمة تمر حنه من على صدره في الفيلم. لكن مع كل تاريخ الوشم الطويل في منطقتنا، ومع رومانسيات أفلام خمسينيات القرن الماضي، الوشم أو التاتو كما هو متعارف عليه الآن لا يعامل كتراث شعبي بل استبعدته مجتمعاتنا المدنية الحديثة وإدانته، ونظرات أعين العامة والأهل لأصحاب الوشوم خاصة النساء نظرات حادة وحاكمة. وأعتقد أن علاقة المرأة بدق الوشم/التاتو حاليًا تحمل في طياتها علاقة إثبات وضع واكتساب حق. وأن كلما زادت أعداد النساء والرجال الذين يدقون الوشوم كلما تغيرت حدة أعين الناظرين أمام الصامدين و الصامدات على حقهن في رسم مختلف الصور والأشكال والكتابات وحملها على أجسادهن، فتهدأ نسبياَ نوبات الرفض المجتمعي الشديد.

Miraa Articles

أتخيل أن استمرار دق الوشم رغم كل التغيرات والمستجدات عليه يرجع لحساسية علاقة الجسد بالوشم، التي تخلق معاني جديدة للتجارب التي تمر بها صاحبة الوشم. أصبحت أرى جسدي كصديق محتمل حين بدأت أشاركه حياتي وأحكي له ومن خلاله. أتخيله حتى يترك لي ذاته فيصبح خريطتي الخاصة، ومرجعي الشخصي لكل ما أريد بكل وعي أن أوثقه على جسدي وتبدأ رحلة جديدة…

Miraa Articles

بعد أربع سنوات منذ أول مرة أعرض جسمي لوخز الإبرة قمت بدق وشم صممته لي صديقة على آثار عملية جراحية وحينها زاد شغفي وحبي للوشم كثيرًا. كان الأمر بالنسبة لي مفاجأة طيبة جداً حين شعرت بذاكرتي الجسدية تمر بتحول شعوري. كانت تلك الآثار تحمل ذكرى وقت قاس وتذكرني بضعف ووهن جسدي ونفسي شديد، وحين بدأ الفنان بالرسم على بطني أصابني أولاً إحساس بالارتباك والرفض واستحضرت تلك المشاعر السيئة التي أتذكرها عن الألم في ذلك المكان مني، لكن بعد بضعة وخزات من الإبرة بدأت استسلم لها وتوقفت عن مقاومتها فشعرت حينها أن تلك الذكريات الجسدية تخرج مني وتتركني ممتزجة مع وعي جديد؛ فيه اختار رواية جديدة، مكان تجربة مؤلمة. يتداخل ما يحمل جسدي من ماضي مع الوشم وحب صديقتي في تصميمه بدقة ودعم أصدقائي الحاضرين معي حينها وألم جديد، ألم الوخز الذي اخترته لنفسي ليحل محل ألمي القديم وأصبح أكثر قرب من جسدي وأكثر تسامح مع ماضيَّ وأكثر وعي بقدرتي على تغيير حاضري.

Miraa Articles

لا أستطيع تذكر جسدي بدون وشومي، تعودت عيني عليها وتغيرت معها وإن حاولت تخيلني بدونها أشعر بالعري كصفحة بيضاء تنتظر حبر يكتبها من جديد… أحبها، فهي شواهد على حياة عشتها وخريطتي إن ضللت الطريق.

Miraa Articles

AddThis is disabled because of cookie consent

Miraa Divider
Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات 

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري