التحرش والملابس: نقطة الصفر التي نعود إليها

Article Details

التحرش والملابس: نقطة الصفر التي نعود إليها

منظومة كاملة تحتاج إلى تصحيح اعوجاجها ولا زلنا في مرحلة "الملابس لا تبرر التحرّش"!

رسوم ريم العطار

 

قضيتُ سنواتي الدراسية الأولى بدولة عربية، كانت مجرّد مدرسة ابتدائية للفتيات لكنني أذكر جيدًا كيف وقفت المشرفة بعصا على الباب لتفحص الطالبات وتتأكد من ارتدائهن لغطاء الرأس وقفازات اليد السوداء قبل الخروج، وأحيانًا تشدّد على غطاء الوجه.

ذات مرة نسيتُ "طرحتي" وخِفتُ التعرض للتوبيخ، أعارتني صديقتي واحدة لكنني لم أنجُ، أوقفتني المعلمة على الباب وقالت: "يداكِ العاريتان ستفتن الرجال في الشارع"، نظرتُ إلى يدي ولم أفهمها أصلًا، حملت توبيخها في قلبي ورحلت لأتركها خلفي تكمل مهمتها المقدسة: غرس بذور الخوف.

في كل مرة تنطلق موجة جديدة من قصص التحرش أظن أنه من البديهي أن يتصدّر الحديث سن قوانين أخرى لحماية الفتيات أو تفعيل قوانين معطلة، أن نتحدث عن مزيد من الردع أو نشجع الفتيات على الإدلاء بقصصهن، أو حتى نرى نوبات الغضب تغرق وسائل الإعلام والسوشيال ميديا قبل أن يعود الأمر لما كان عليه، لكن وفي كل مرة يُختزل النقاش في "هي لابسة إيه؟ هي شكلها إيه؟".

ظننتُ أنه من المنطقي حين نتحدث عن جريمة عنف واضحة، جريمة سرقة واعتداء على الخصوصية، ألا نضطر إلى الحديث عن ملابس النساء وألّا تموج السوشيال ميديا والصحف بمحاولات إثبات العلاقة بين الأمرين أو نفيه، ومن البديهي إن كنا سنبذل الوقت والجهد في الدفاع عن حقوق النساء ألا نهدرهما في مناقشات بديهية، لكننا نعود في كل مرة إلى نقطة الصفر ونمنح بقاءً أطول للنظرة النمطية الدونية للنساء وكأننا لن نغادر هذه الدائرة أبدًا، وسنبقى للأبد نتحدث عن محاسبة من تتعرض للتحرش والملابس غير المطابقة للمواصفات وسمعة الناجية التي تعلن قصتها.

منذ سنوات، قررت صديقتي الحصول على حقها القانوني من متحرش أسقط على مسامعها كلمات بذيئة في الشارع، لاحقته وأمسكت بعنقه وأصرت رغم تعجب المارة أن تذهب به إلى قسم الشرطة، كنتُ معها حين أخبرنا من يكتبُ المحضر: "هل أنتِ واثقة أنك تريدين كتابة هذه الكلمات في محضر الشرطة؟ هذا سيسيء لكِ"، بدا لنفسه رجلًا يقدّم نصيحة لفتاة لا تعرف مصلحتها، أصرت صديقتي فكتبها وهو متعجب، ربما كان يقول لنفسه كيف تهين هذه الفتاة نفسها بهذا الشكل، ليس وحده، هكذا رسخ المجتمع في الكثيرين أن التحرش هو إهانة للفتاة تخجل منها لكنها لا تدعو لخجل مرتكبها.

والآن، في عام 2020، يخرج علينا شيوخًا لهم ملايين المتابعين ليمنحوا ضوءً أخضر غير مباشر للتحرش، فما الذي سيحدث حين تقول: "التحرش حرام لكن الملابس أحد أسبابه؟ ألن يرى البعض أن التحرش يحق له لو كانت الفتاة ترتدي ملابس لا تلائم وجهة نظره وتوقعاته؟ وأنه لن يكون حرامًا في هذه الحالة؟ وهل يجهل أن التحرش يحدث للأطفال وللمحجبات وللمنقبات بنسب مرعبة؟

من المنطقي أن يرى أي إنسان طبيعي أن التحرش فعل مشين في حد ذاته لا يبرره سبب ولا يتحمل عاقبته سوى مجرم قام به، ومن المنطقي ألّا تتحوّل الضحية إلى طرف في الجريمة، ومن البلاهة أن يظن أحد أن ملابس النساء وكمية مستحضرات التجميل في وجوههن قد تكون سببًا، لذا دعونا لا نهدر الوقت في تبيان حق هو واضح أصلًا، ولنكف عن مفاوضة حاملي الأفكار المتطرفة اللعينة، ولنرى كيف نجعل الشوارع آمنة، وما الطرق الأمثل لردع المتحرشين وحماية الضحايا.

لنرى كيف أدخلنا العنف إلى منازلنا وغذيناه ليكبر معنا طوال هذه السنوات، وكيف أقنعنا كثيرات من النساء أن العنف جزء منهن ليألفن بقاءه، حاوطنا الأنثى منذ ولادتها بقائمة طويلة من النواهي، لصقنا كلمة "لا" في مقدمة رأسها ونصب عينيها وجعلنا الخوف محركها الأساسي، مارسنا الختان وسلبناها جزءً من جسدها بدواعي العفة ولأننا نراها سببًا محتملًا لفضيحة، خِفنا منها وأخفناها وفاضت أمثالنا الشعبية بما يزدريها، فعرفنا "اكسر للبنت ضلع يطلع لها أربعة وأربعين"، و"يا مخلفة البنات يا شايلة الهم للممات".

لنرى كيف أقنعنا الفتاة بأنها فريسة محتملة يجب أن تسير بحذر، أن تتجاهل المضايقات وإلا سيعتبر المتحرش ردها تجاوبًا معه، وكيف منحنا الذكر بالتربية الخاطئة رخصة تجعله ينصب نفسه حارسًا للقيم ومدافعًا عن الانضباط الأخلاقي لدرجة تجعله يستبيح ما لا يراه مناسبًا.

لم نتوقف أبدًا، تكبر الأنثى وتتزوج حتى لا يعيبها المجتمع بأنها عانس، تُنجب حتى لا يعيبها المجتمع بأنها لم تُفعّل وظيفتها الأساسية، نمدحها إن أنجبت ذكر وندعو أن يعوضها الله لو أنجبت فتاة، نحاسبها وحدها على مهام المنزل وتربية الأطفال ثم نحمّلها المسؤولية لو فشل الزواج مع أنها علاقة ثنائية، وطبعًا لا نحبّذ وجودها بأماكن العمل لأننا نتوقع تقصيرها، وقد نمنحها راتبًا أقل، مناصب وظيفية أقل، وقد لا نرغب في توظيفها من الأساس. 

 

منظومة كاملة تحتاج إلى تصحيح اعوجاجها، وثقافة مجتمعية ظالمة تحتاج سنوات لكسر شوكتها وتدمير جذورها، ثم ها نحنُ لا زلنا نحارب لنثبت أن الملابس ليست مبرّر للتحرّش!

لنكون آباء منصفين وندرك أن الفتيات لسن نقطة ضعف، لنفسح الطريق لهن ولأحلامهن البعيدة ولنكف عن دفعهن إلى الخلف! لنشجع أصواتهن وحقوقهن إلى النهاية، ولنتوقف قليلًا عن الفاشية، عن الحكم على كل فتاة وفقًا لملابسها، لا يعني الحجاب رجعيتها ولا يعني غيابه انحلالها! كل فتاة قطعًا لها الحق فيما ترتديه ولها الحق في حياة آمنة وشوارع تحترمها بقوة القانون.

لن نعود للخلف من جديد، ومن الجيّد أن دعم ضحايا التحرش هذه المرة لم يأتِ فقط من منظمات المرأة الحكومية والمستقلة، فجاء موقف النيابة العامة المصرية مشرفًا لتؤكد أنها ترفض توجيه اللوم إلى الفتيات المجني عليهن في قضية المتحرش "بسام أحمد زكي" باعتبارهن مساهمات فيما وقع عليهن من اعتداء، كما خرجت جريدة صوت الأزهر المتحدثة باسم مؤسسة الأزهر الشريف بعنوان جميل  "طمئنوا بناتكم"، لتطالب بدعم ضحايا الاعتداءات الجنسية وتشجيعهن على الكلام والشكوى، ولتقول بوضوح إن ملابس المرأة أيًا كانت ليست مبررًا للاعتداء وأن التحرش يشمل "الإشارة واللفظ والفعل"، وأيضاً دار الإفتاء المصرية التي وصفت من يربط التحرش بالملابس من ذوي النفوس المريضة والأهواء الدنيئة.

 

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري