Miraa LOVE Noemie

إعادة تعريف الحب

كيف يختلف مفهومنا ونظرتنا للحب المثالي مع تقدمنا في العمر.

مهما بذلنا من محاولة، ينتصر الزمن ولا نبقى أبدًا الشخص ذاته.

تساءلت كثيرًا، كيف يدرك الإنسان التغيير في نفسه؟ كيف يحدّد النقاط الفاصلة في حياته ليستطيع القول عن يقين بأنه في اليوم الفلاني: تغيرت اهتماماتي، أصبحت شخصًا آخر، انزلق الأصدقاء القدامى من حياتي، تبدّدت معتقداتي المتوارثة؟ لا يمكن أن أحدد التاريخ أو ألمس هذه اللحظات.

أحيانًا تبدو لي الحياة أشبه بفيلم سينمائي متقن تم تركيبه بمنتهى الدقة، لن يشعر المتفرّج أبدًا بأية قفزات واضحة وستنساب المشاهد خلف بعضها منسجمة ومتلاحمة بخفة كأنها مشهد واحد تتوالى أحداثه، لن يمكنك التوقف لتسأل كيف حدث ذلك؟ فقط ستعيش الرحلة ولن تدرك الفرق إلا إذا فكرت فيما يحدث لك بعد وقت طويل.

بهذا المنطق أقنعت نفسي بعدم البحث عن توقيت تغيّر مفهومي للحب، عن اللحظة التي تخطّت فيها مشاعري طفولتها واجتاحت احتياجي العاطفي تغيرات كثيرة.

ما هو الحب؟

منذ سنوات، لم يكن الحب يعني سوى رجفة القلب التواق إلى المحبة، هذا النسيم البارد الصاخب الذي يمر كطيف سريع فيترك القلب في حال غير حاله، قداسة الحب حينها تكمن في أننا لا نعرف ما هو، نسمع عنه الأساطير ونشاهد الأفلام ونقرأ الكتب المدججة بالعواطف لكننا لم نعيشها بعد.

ننتظر وننتظر لقاء هذا الشخص الغامض، الحبيب، البطل، فارس الأحلام بمواصفاته الملكية؛ هكذا اكتسب مفهوم الحب قداسته في سنوات إدراكنا الأولى من العمر، وهكذا كنا جميعًا في حالة بحث عنه سواء أدركناها واعترفنا بها أم لم نفعل.

لم يكن هناك أجمل من هذا الشعور ومن الرحلة الخفية داخلنا للبحث عن حكايتنا الخاصة، نقترب ونبتعد، نشعر أحيانًا أنّنا نلمسه ونستمد من المشاعر البراقة ما يكفي لنتوهّج ونصنع المعجزات، لا مطمع أكثر من صوت الحبيب الحاضر وسوى الشعور بأنك مميزة جدًا لأن شخص ما يحبك أكثر من نفسه ويرقص قلبه حين يراك، على الجانب الآخر خفنا كثيرًا من ألم الحب، قيل لنا عنيف وقاس ويطبع في القلب أثرًا دائم.

حيرة البحث عن الحب أجمل من الحب ذاته

لا ينتظر الحب المراهق الجميل ظروفًا ملائمة ليحدث، في الأغلب لا يحب الخضوع لعمليات حسابية معقدة، ينطلق وحيدًا ومجردًا بلا منطق، هكذا كما تقول الأغنيات، نظرة فابتسامة، وهذا ما كنتُ أنا وصديقاتي نتجادل طويلاً حوله في سنوات الجامعة، نتحدث طويلاً عن حكايات الحب السحرية ثم نشتبك: أيهما أفضل، تتزوجين من يحبك أم من تحبينه؟ تتزوجين بقلبك أم بعقلك؟ لما قد يتزوج اثنان وأحدهما لا يحب الآخر؟ أسئلة مهما بدت ساذجة فستبقى بعد كل هذه السنوات بلا إجابة وبلا دليل ولن يعرف حقيقتها أحد، بعضنا خاض التجربة وبقي متمسكًا باعتقاده وبعضنا غير فكرته عن الحب للنقيض، وبرغم ما حملته تلك الليالي من حيرة وتخبط وبحث فلم يمس القلب شيء أجمل منها، حيرة البحث عن الحب أجمل من إيجاد الحب ذاته.

كانت سنوات من البساطة والقلب المدجج بالعواطف والآلام الشابة، نبحث عن الحب المثالي النقي الشفاف ونحن مجردون من المسؤوليات، كان منّا من تختار حبيبها بعملية عقلية بحتة، وكان منّا من تنتظر الصدفة برومانسية شديدة تحولها من فتاة عادية إلى سندريلا راقصة، كنا في مستهل الطريق نحاول معرفة من نكون، ماذا نحب وماذا نفضل من خيارات، نخطئ ونصيب في تجاربنا ولا نمل من طرح الأسئلة وإعادة تشكيل أفكارنا، هكذا أصبحنا جميعًا أشخاص آخرين.

ثم ماذا حدث؟

مرّت سنوات الخفّة واستبدلنا بها الوقت القليل والمساحات الضيقة وثقل المسؤوليات، أصبحنا فجأة مسؤولين عن غيرنا بعد أن كنّا مسؤولين من عائلاتنا. نحن مجبرون الآن على أخذ الحياة بجدية أكثر مما مضى وعلى إعطاء العمل هذه المساحة الضخمة من حياتنا، لم تعد ليالي الحيرة الطويلة متاحة بهذه البساطة، تغيرت احتياجاتنا وتغيرت نظرتنا للحب.

والآن أعيد السؤال على نفسي، ما هو الحب؟

لم أعد أبحث عن الصورة البراقة ولا عن لحظة الطيران، رأيت الحب أن تنساب أيامك مع المحبوب كأصدقاء ببساطة ودون مجهود، أن يرى عيوبك واضحة، ربّما لا يفضلها ولا يحبها، ربّما كان ليصبح أكثر سعادة لو لم تكن موجودة إلا أنه يقبل بها لأجلك ووفاء للمسافات التي قطعتوها سويًا في مشواركما الطويل.

الحب يعني ألا يكف عن سؤالك عن أحلامك الخاصة، عما يدور في قلبك وعن سبب حزنك، أن يحب أمنياتك فقط لأنها أمنياتك ولأنها ستجلب لكِ السعادة سواء اقتنع أم لا، باختصار الحب هو أن يترك لكِ الفرصة لتكوني نفسك لا النسخة المصنوعة من أفكاره وطريقته في الحياة.

الحب أن يقبض على يدك وتعبران معًا الألم. لا يفلتك حين تيأسين ولا تفلتيه حين تكشّر الحياة عن أنيابها، أن يفعل الأشياء التي لها قيمة في نظرك وليس في نظره فقط، الحب بعد هذه السنوات يعني أن تكوني أنتِ ويكون هو، وليس بالضرورة نفس النسخة المكررة.

لم يعد مهمًا سماع العبارات الساحرة بقدر أهمية الطمأنينة لأن هذا الحب متماسك وباقِ ووفي، وبقدر استمرار الرغبة في إسعاد الآخر لدى كليكما، ولم يعد مهمًا الرومانسية المفرطة بقدر أهمية المشاركة الحقيقية في رحلتكما، إذًا… الحب هو التضحية وهذا الأمان البسيط.

بعد سنوات أخرى، هل أعيد تعريف الحب؟ ربّما.

AddThis is disabled because of cookie consent

Miraa Divider
Subscribe Now

أحــــدث الــــــمـقـالات 

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري