Miraa Images

!أنتم ”القوس“، كلكم مجانين

Article Details

!أنتم ”القوس“، كلكم مجانين

ما سبب هوسنا بالأبراج؟

AddThis is disabled because of cookie consent

في عدة مرات، أثناء تعرفي على أشخاص جدد، كانوا يسألونني عن برجي، لكنني من باب التسلية كنت أقول: “أنا من برج القوس”. رغم أني من برج الثور، فيرمي الشخص فورًا تعليقًا مثيرًا للاهتمام: “مبيّن عليك إنك قوس!” أو “كنت حاسس إنك قوس، إنتوا كلكم مجانين!” لماذا بدى هؤلاء الأشخاص واثقين جدًا من تعليقاتهم؟ ما الذي يجعلنا نحن البشر مرتاحين في إطلاق أحكام على الأشخاص وطبيعتهم، رغم أننا لا نعرفهم لمجرد أنهم من هذا البرج أو ذاك؟ إحدى مشاكلنا نحن الذين ننتمي لبرج “الحمل” هي أننا مشككون بطبيعتنا، الأمر الذي جعلني شخصيًا أبحث في موضوع التنجيم، والذي أثار فضولي للتعرف على الطبيعة البشرية أكثر.

أثناء بحثي، وجهت سؤالي لبعض الفتيات المصدقات للتنجيم من دائرة معارفي، حتى أتعرف أكثر على أسباب هذا الإيمان:

تعتقد ليلى الجعيدي (32 عامًا) أن حركة النجوم تؤثر على شخصياتنا لأن الإنسان كتلة من الطاقة، وبالتالي فإنّ الطاقة الموجودة في النجوم والكواكب من حولنا تؤثر على طاقتنا وتغيرها. أما سندس عثمان (23 عامًا) فتقول: “قرأت كتابًا عن التنجيم في عمر الرابعة عشرة، وتأثرت جدًا به لدرجة أنني أصبحت أدوّن أبراج من ألتقي بهم وصفاتهم جميعًا لأحدد صفاتهم المميزة، حتى حصلت على قائمة تحتوي صفات أكثر من مئة وخمسين شخصًا؛ تنبؤات الشخصيات حسب أبراجهم صحيحة، هذا ما لاحظته في حياتي. أنا مهووسة بالتنجيم لدرجة أن برج الشخص قد يؤثر على قراري باختياره شريك حياة.”

ما الذي يحدث هنا؟ عندما يتحدث أحد بكلام إيجابي عنك، أو عندما تكتشف أنك كنت على صواب بخصوص أمر معين، فإن دماغك يفرز ناقلات عصبية تحسن من مزاجك وتشعرك بالسعادة. هذه هي طريقة دماغك بمكافأتك عندما تقوم بأمر “جيد”، لكن هذه الطريقة قد تكون مضللة جدًا، وتؤدي إلى ظهور عدد كبير من المغالطات و الانحيازات المعرفية. دماغك يحب دائمًا أن يكون على صواب، وأن يكون مميزًا، ومركز اهتمام وسط مجموعتك، حتى  لو كان هذا الأمر غير صحيح. إحدى هذه المغالطات المعرفية تسمى “الانحياز التأكيدي”، وهي ما يحدث عندما يميل دماغك للتركيز على الأدلة والإشارات التي تدعم آرائك، ويتجاهل الأدلة والإشارات التي تدحضها. على سبيل المثال، عندما يؤمن دماغك أن “الملوخية” هي أشهى طبخة في التاريخ، فإنه يميل إلى أن يتذكر المرات التي وافقه الناس فيها رأيه، وتجاهل كل المرات التي لعن فيها أفراد مجموعته تلك الوجبة اللزجة. بالطريقة نفسها، أنت تمارس الانحياز التأكيدي على أمور أخرى كثيرة.

عندما تتطّلع على صفات برج السرطان مثلاً، وتقرأ أنه ينبذ الارتباط والقيود، ويعتبر اللون البنفسجي لونه المفضل، فإن دماغك يركز على حقيقة أن صديقتك سارة فعلاً فسخت خطوبتها مع أنس بسبب تحكمه المزعج بحياتها. ولكن عندما تكتشف أن لونها المفضل هو الأخضر، وليس البنفسجي، يقفز دماغك لممارسة ما هو بارع به، وهو التبرير، فتقول: “ولكن اللون المفضل لشخص ما ليس شيئًا مهمًا، الأهم هو أنها فعلاً لا تحب القيود. لاشك أنها من برج السرطان، الأمر واضح جداً.”

وهذا ما يفسر التناقض العجيب في دماغي عندما أتجاهل أيضًا أن صديقي أحمد قد فسخ خطوبته للسبب نفسه، لكن شيئًا كهذا لا يهم حقًا، فهو شخص اجتماعي يحب التواجد مع الناس، تمامًا كما يحب أعضاء برج القوس: “يا له من قوس!”.

كان البشر قديمًا يحاولون فهم الطبيعة من حولهم، وإيجاد تفسير لكل ما يحدث، والتمكن من التنبؤ بالأحداث المستقبلية والاستعداد لها، تمامًا كما نحن الآن. عندما كانت النجوم تصطف بطريقة معينة في السماء، كان النيل يفيض، لذا قد يعدّ حينها أمرًا منطقيًا عند المصريين القدماء أن يربطوا اصطفاف النجوم بفيضان النيل، لا بل وأن يستخدموا توثيقهم لحركة النجوم للتنبؤ بموعد فيضان النيل المقبل، أو أن يعدّ البابليون حركة النجوم إنذارًا بقدوم الجفاف. حقيقة أن هذه الظواهر الطبيعية كانت تحدث بالتزامن مع بعضها قد يوقعنا في مغالطة معرفية أخرى تسمى باللاتينية “cum hoc ergo propter hoc” والتي تعني السببية الكاذبة، وهي تحدث عندما تفترض أن حدوث أمرين معاً يعني أن أحدهما سبّب الآخر.

لا نستطيع لوم أجدادنا على ظنهم أن حركة النجوم لها تأثير مباشر على الأحداث على الأرض، فقد كانوا يحاولون فهم الطبيعة من حولهم بأفضل الطرق المتاحة لديهم، بل على العكس، قد ساعدهم ذلك في التنبؤ ببعض الأحداث والتجهيز لها. لكن رغم أن ذلك كان ينجح، إلا أننا يجب أن نتذكر أن الارتباط لا يعني السببية، وأن حدوث أمرين معًا لا يعني أن أحدهما كان مسببًا للآخر – سأضع رابطًا في نهاية المقال لمقطع فيديو أتحدث فيه عن بعض المغالطات المنطقية على قناتي على اليوتيوب.

على الرغم من أن فهمنا للكون والطبيعة من حولنا تغير كثيرًا جدًا الآن، وعلى الرغم من أننا نعرف الآن أن فيضان النيل يحدث لأسبابٍ أخرى غير مرتبطة باصطفاف النجوم، إلا أننا لا نزال نمارس هذه المنظومة الفكرية إلى يومنا هذا، فنطلق الأعذار عند فشلنا في الاحتفاظ بأسرار أحد أصدقائنا ونلقي اللوم على برجنا: “أنا من برج الميزان، ما بعرف أحتفظ بالسر، هيك أنا!” لوم البرج يعدّ أمرًا أسهل من مواجهة عيوبنا والعمل على تغييرها. الدماغ يختار الطريق الأسهل دائمًا.

سأتطرق في المقال القادم لأسباب أخرى تجعلنا نصدق المنجمين.

رابط فيديو المغالطات المنطقية على قناتي على يوتيوب:

AddThis is disabled because of cookie consent

Miraa Divider
Subscribe Now

أحــــدث الــــــمـقـالات 

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري