Internetional Day For Zero-Article Banner

بين بحرين: العبور إلى بر آمن

استطاع مخرج الفيلم "أنس طلبة" أن يضع المشاهد في حالة من الغضب الشديد ممزوجًا بالحزن والضحك في الوقت نفسه.

AddThis is disabled because of cookie consent

 

تنويه: يحتوي المقال على رواية لبعض أحداث الفيلم وهو ما لزم الإشارة إليه.

في قرية صغيرة في ريف العاصمة المصرية، نشأت زهرة وابنة خالتها سميّة وصديقتها أمل، ظاهريًا اتخذت كل منهن مسارًا مختلفًا في الحياة وواقعيًا تشابكت قصصهن في خيط واحد وهو العنف ضدهن.

 كانت البطلات الثلاث هنّ الخطوط الرئيسية في فيلم "بين بحرين" الذي حاولت فيه المؤلفة والسيناريست المصرية مريم ناعوم أن تلخّص مظاهر العنف المنتشرة ضد النساء في الريف. للوهلة الأولى ظننت أنني سأشاهد فيلمًا مكدّسًا بالأسى وثقيل بعد أن تفرض طبيعة القضية روحها عليه، خشيت أن أصطدم بالكثير من مشاهد العنف المؤلمة – وهو أمر لا أعيبه لكن لا أتحمله بشكل شخصي – لكن هذا فعليًا لم يحدث، اشتبكت مع الشخصيات وتألمت وبكيت وضحكت دون أن ترهقني مشاهد قاسية ومبالغ فيها ودون أن أضطر إلى أن أشيح بوجهي عن الشاشة، وهنا تحديدًا تكمن قوة الفيلم بالنسبة لي. 

تتوالى الأحداث ليصطدم الفيلم تدريجيًا بالكثير من العادات والتقاليد التي تتضمن عنفًا ضد النساء ولا زالت مترسخة في حياة الريف، ويبدأ بتجهيز المنزل الريفي لعرس إحدى فتياته التي ترى في الزواج ملاذها من حصار والدتها وتضييقها، ثم تظهر بطلة الفيلم الرئيسية "زهرة"، والتي كان اختيار اسمها موفقًا جدًا ويصف محاولاتها المستمرة للمقاومة والتفتّح.

تزوجت زهرة من رجل طيب "حسن" وأنجبت فتاتين، كان لديها من الوعي ما يكفي لمحاولة حمايتهما من عنف المجتمع ومقاومة التقاليد التي تحاول إلحاق الأذى بهما، ظهرت مقاومة زهرة في تعبيرات وجهها المثالية وفي الحوار الذي انساب بسلاسة وعدم افتعال ليلقي الضوء على الظلم الذي تتعرض له الأنثى في المجتمع الريفي. في الحقيقة، ليس بإمكاننا أبدًا أن نقصر هذه الأنواع من العنف على الريف وبلا شك تشاركه المدن في ممارستها، لكن ربّما يدافع الريف عنها كجزء من تقاليده المتجذرة التي اعتاد عليها.

اهتمت زهرة بتعليم ابنتيها شهد وشمس وتعليم نفسها من المنزل، عارضت أفكار أمها حول الزواج المبكّر والختان وإنجاب الذكور كرمز للقوة وانتصرت لحقوق ابنتيها رغم إهدار حقوقها، ومع أن العنف مؤلم في كل الأحوال لكن الحوار خفيف الظل الذي كتبته "أماني التونسي" جعل الفيلم ممتعًا إلى أقصى حد، ثم تأتي النقطة التي تتعرّض فيها شهد للختان بدون علم والدتها لتتصاعد ذروة الأحداث وتظهر ملامح جديدة مبهرة للشخصيات.

 

 

Poster-International Day For Zero

نجح الفيلم في تجسيد قضايا أخرى من العنف، ظهرت في أدوار الزوجة التي تضطر إلى تحمّل العنف الزوجي لأن شريكها هو المسؤول عن الإنفاق، والطبيبة الناجحة التي تتعرض للانتقاد لأن مجتمعها لا يؤمن بعمل المرأة ويرى البيت ملاذها الوحيد، والسيدة التي تخشى الانفصال لأنها لا تمتلك مصدرًا للدخل، ورجل الدين الذي يدعو للعنف باسم الدين وهو جاهل به.

اشتبك الفيلم أيضاً مع قضية شديدة الأهمية وهي النظر إلى "الذكر" كأيقونة للحماية والدعم والسند، فالأم "لبنى ونس" انتظرت سنوات ليعود ابنها من الغربة ويحقق لها أمانيها ويحميها من الفقر، وتفاخرت أمام ابنتها بأنها حرمت نفسها وحرمتها من كل شيء ليتم هو تعليمه ويكون سندًا لهما، ثم جاء "المنقذ الوهمي" ليخيب آمالها ويتركها فقيرة ووحيدة.

مخرج الفيلم "أنس طلبة" استطاع أن يضع المشاهد في حالة من الغضب الشديد ممزوجًا بالحزن والضحك في الوقت نفسه، وتضافر الحوار الممتع مع مشاهد منتقاة بشكل جيد مع الأزياء الواقعية المناسبة تمامًا للشخصيات في صنع هذه الحالة من الانجذاب والمتعة.

 

كان مشهد الختان بالنسبة لي هو المشهد الرئيسي في الفيلم ونسجت حول قصته الأحداث، لم يظهر به تفاصيل مباشرة متعلقة بالختان ولا حتى بالأدوات المستخدمة لكن الأصوات مع المونتاج مع مشهد الدماء الأخير كان قنبلة من الألم أجبرتني على البكاء، في الوقت نفسه كما ذكرت سابقًا لم يكن العرض مأساويًا بل العكس، امتصّت القصة الأمل من قلب الأسى ورأينا كيف تتحوّل الشخصية الرئيسية من الهزيمة والانكسار إلى حالة "إعادة صناعة الأمل"، وكيف يتسرّب التغيير إلى الشخصيات تدريجيًا ليفسح في عقولهم مساحة للنور وللحياة الجديدة.

ربّما يعتقد البعض أن المفاهيم العنيفة التي يتم التعامل بها مع الفتيات في الريف كادت أن تندثر ولا تستحق هذه الضجة، وربّما لا يصدقون أن الإحصائيات لا تزال متوحشة أكثر من قدرتهم على التخيل، على سبيل المثال إذا نظرنا إلى الإحصائيات الخاصة بالعنف الأسري ضد النساء في مصر، سنجد إحصائيات مخيفة صدرت عن الجهاز نفسه في 25 نوفمبر الماضي، بعد أن قام بمسح استهدف رصد العنف ضد المرأة والقائم على النوع الاجتماعي في الفئة العمرية بين 18 و64 عامًا، ووجد أن هناك 34.1% من النساء السابق لهن الزواج تعرضن لعنف بدني أو جنسي من قبل الزوج، وأن نسبة النساء اللاتي تعرضن للختان 89.5% للأسف الشديد، وعلى مستوى العالم لم يختفِ ختان الإناث لذا اعتبرت الأمم المتحدة يوم 6 فبراير\شباط من كل عام "اليوم الدولي لعدم التسامح مطلقًا إزاء تشويه الأعضاء التناسلية للإناث"، وقالت إن هذه الممارسة تحدث في ثلاثين دولة في أفريقيا والشرق الأوسط، وتعتبر شائعة في البلدان الآسيوية ومن ضمنها الهند وإندونيسيا والعراق وباكستان، وكذلك بين بعض جماعات السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية مثل إمبيرا في كولومبيا، كما تستمر بين السكان المهاجرين الذين يعيشون في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا.

هذه الإحصائية أكّدت أيضاً أن 27.4%، أي أكثر من ربع النساء المصريات تزوجن قبل بلوغ 18 عامًا، و 34.1 % من النساء السابق لهن الزواج تعرضن لعنف بدني أو جنسي من قِبَل الزوج، وهي نسبة كبيرة.

وبالنسبة للزواج المبكّر سنجد إحصائية لنفس الجهاز صدرت في يناير العام الماضي لتقول إن هناك أكثر من 117 ألف شخص سبق لهم الزواج المبكر، أي في السن الذي يتراوح بين العاشرة والسبعة عشرة عاماً، وهذه النسبة تمثل (8 في المائة) من هذه الشريحة العمرية، وفقا لتعداد السكّان عام 2017، كما أكدت للأسف على ارتفاع نسبة الأمية والتسرب من التعليم ضمن هذه الحالات.

تم إنتاج الفيلم بواسطة تعاون بين المجلس القومي للمرأة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة وشركة إكسير، وشارك في كتابته آخرين ضمن ورشة كتابة أشرفت عليها مريم ناعوم، وأتيح في دور العرض في أكتوبر الماضي لعدّة أيّام لكنّه لم يعرض على الشاشات العادية للجمهور بعد، فيما أكّد صانعيه على رغبتهم مستقبلاً في عرضه على نطاق واسع.

حتى الآن حصد الفيلم بعد عرضه في المهرجانات جوائز عديدة، منها جائزة أفضل فيلم من مهرجان بروكلين السينمائي الدولي، وجائزة نوت لأفضل فيلم يدعم قضايا المرأة في مهرجان أسوان الدولي، وجائزة أفضل سيناريو من مهرجان تازة الدولي لسينما التنوع بالمغرب.

تم إطلاق أغنية الفيلم الرسمية قبل إصداره بعنوان "أقوى من الأوّل" ومثل الفيلم تمامًا وضعتني في حالة من الحماس والبهجة،  كلمات بديعة يغنيها الفنانان "هاني عادل وفاطمة عادل" لأعيد سماعها مرّات ومرّات وأنا أردّد: "كل اللي جاي ليكِ وهتعلي وتنوري، مهما الطريق هيطول هتعدي وهتوصلي".

Director-Internetional Day For Zero

AddThis is disabled because of cookie consent

Miraa Divider
Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات 

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري