طبيبات في العزل: 12 ساعة معاناة وكوفيد لا يعترف بالدورة الشهرية

Article Details

طبيبات في العزل: 12 ساعة معاناة وكوفيد لا يعترف بالدورة الشهرية

لماذا لا تُصمم أدوات الوقاية بما يراعي احتياجات النساء؟ 

 

مواجهة كورونا لم تكن أبدًا بالأمر السهل، مرض غامض وموت، هكذا الأمر ببساطة، واحتمالية الحياة تتساوى مع احتمالية فقدانها، يشكو البعض من اختناقهم من الكمامات، التي فرضتها أغلب الدول وجوبًا على مواطنيها، وآخرون أعيتهم كثرة الجلوس في المنزل، وضج الجميع من البقاء آمنين داخل حدود الحجر الصحي، اجتمع الكل على المعاناة خلال الأربعة أشهر الماضية، لكن الممرضة العشرينية آية راشد كانت معاناتها من نوع آخر. 

 

خمسة عشر يومًا قضتها آية في مشفى العزل بمدينة دمنهور بجمهورية مصر العربية، ودرجة الحرارة فوق الأربعين، ومع ذلك ممنوع استخدام التكييف والمراوح. تعمل الفتاة في شيفت يومي (نوبة عمل) تبلغ مدته 6 ساعات، ترافقها زميلة أخرى، تتناوبان على قسم يضم خمسين مريضًا بكوفيد-19. لم تشتكي آية من قسوة ابتعادها عن أسرتها لخمسة عشر يومًا، ولم ترتعب خوفًا من العدوى، بل كانت تلتزم بالتعليمات وتنفذ أوامر الأطباء، وتستجيب لطلبات المرضى وتحقق أمنياتهم الأخيرة، في كوب حلبة ساخنة محلاة بالعسل أو ماكينة حلاقة أو طعام خاص يشتهي طعمه رغم فقدانه لحواس التذوق. كل هذا تفعله آية تحت نير معدات الوقاية، التي وفرتها لها وزارة الصحة المصرية لتحميها من كورونا، لكنها لم تكن تفعل أن أردية الحماية لم تصمم من أجلها. 

 

قبل ساعة من بداية الشيفت تبدأ آية ارتداء زي الوقاية، تبدأ بتبديل ملابسها الداخلية بملابس قطنية خالصة، وبعدها طاقم يتكون من بنطلون وتي شيرت قطن، ثم يأتي دور الجاون (الرداء) الأزرق المخصص للعمليات الجراحية كبدلة أولية، ثم البدلة الرئيسية المخصصة للوقاية لمشافي وأقسام العزل؛ بيضاء ترتديها من أسفل القدمين ثم ترفعها إلى الأعلى، تشدها على خصرها لترتفع بها إلى الصدر والرقبة، تغلق من الخلف بمشد واحد يغلقها طوليًا، فلا تفتح إلا مرة واحدة عند خلعها. وزن ثقيل وخامة ساخنة، لا تقدر على تحملها لكن ما باليد حيلة، وفوق هذا كله ترتدي آية جاون أزرق آخر، ثم جاون مخصص للقدمين وقفازين مخصصين للعمليات الجراحية، بينهما كحول. على الوجه، تكمل آية خطة إحكام الوقاية فترتدي كمامة N95، تضيقها على مقاسات وجهها بأستك إضافي، لأنها يجب أن تكون محكمة بشكل قاطع، كي لا يتسرب الفيروس بأي شكل، ثم يأتي الفيس شيلد (وقاء الوجه) يغلق عليها مجرى التنفس، وتتحول واجهته لمرآة سيارة وقد أغشتها الشبورة الصباحية، ووراء هذه الخرسانة المسلحة يقبع جسد آية الضعيف، ممتنعة عن الطعام والشراب، فقط تتحرك كالإنسان الآلي المخصص لخدمة المرضى لمدة ست ساعات تدعو فيهم الله أن يحتسب لها في ميزان حسناتها قطرات العرق التي تنهمر تحت ركام الوقاية. 

 

خلال خمسة عشر يومًا قضت آية أربعة أيام تعاني عذابًا أشد، بسبب تزامن دورتها الشهرية مع دورها في شيفت العزل، لم يكن هناك بد من استمرارها، رغم اشتداد النزف بسبب الحرارة المتولدة من زي الوقاية وعملها المجهد دون راحة أو حتى قدرة على استخدام مكيف للهواء، لا يجوز لآية أن تدخل الحكام طيلة فترة عملها، فكيف ستخلع عنها كل هذه الأشياء، وخزانة وزارة الصحة لا تستطيع سوى أن توفر بدلة واحدة في اليوم؟ لا يوجد إمكانية لتبديلها، عليها التحمل والاستعداد للعمل بأكبر قدر مستطاع من الفوط الصحية القطنية لتتشرب دمائها، وقدر أكبر من المسكنات ومضادات الألم كي تبقى قادرة على أن تواصل رعاية المرضى حتى نهاية الشيفت أو عمرها، أيهما أقرب. 

 

لم يفرق كورونا بين طواقم الأطباء وأطقم التمريض من النساء، فالجميع في معاناة، الزي موحد من أجل حماية لا تفرق بين كادر وآخر. الطبيبة الثلاثينية ندى عطية، بمشفى عزل أسوان، كانت قد أثارت جدلًا على مواقع التواصل الاجتماعي بعد نشرها لما تواجهه يوميًا مع حالات الكورونا، ونقص أسرة العناية المركزة للحالات الحرجة، مما جعلها تقع في مأزق مفاضلة بين مريضين، وفضلت حينها الأصغر سنًا. تواصل ندى كل يوم كتاباتها عن سبل الوقاية والحماية من الفيروس القاتل، تدعو الناس لعدم النزول إلا للضرورة والتمسك بحالة الحجر الصحي، وعدم الالتفات لما يقال من شائعات السيطرة على الفيروس، تعرف جيدًا أن لا شيء تحت السيطرة، وتعرف أيضاً أن لا مفر من العودة للحياة الطبيعية، والبقاء للأقوى. تعمل ندى وتتابع المرضى، وتجيب على استفسارات الجميع وتشرح لمن يتقصى، وفي غمار كل ذلك نسيت الطبيبة أنها امرأة. 

 

حين سألتها عن معاناتها مع بدلات الوقاية، وإذا كانت تعاني كأنثى من أي شعور بعدم الراحة داخل غرفة الساونا التي ترتديها لمدة 12 ساعة يوميًا (مدة مناوبتها) طلبت مني إعادة السؤال، ثم صمتت قليلًا، وتنفست الصعداء كأنها تذكرت شيئًا ما قد فاتها: "تقصدين أنني امرأة ولي احتياجات خاصة دون الرجال؟"، وحين أجبتها بالإيجاب ضحكت بمرارة وقالت: "إحنا في مصر والكلام ده رفاهيات بالنسبة لنا، هنا نشكر ربنا إن الوزارة وفرت لنا متطلبات الوقاية من بدلات وكمامات ولوازم للتطهير والتعقيم"، نفس الزي بنفس الخطوات التي تقوم بها الممرضة آية، تعيدها الطبيبة ندى في أسوان بذات الترتيب. عانت ندى في البداية من البدل المخصصة للوقاية، والتي كانت تقدمها الوزارة في البداية، فقد كانت ثقيلة الوزن، بالإضافة للسخونة التي يشعر بها من يرتديها: "كانت غاية في البشاعة، تخطى الأمر مجرد العرق والتهاب الجسد، فقد كانت تعيق حركتنا من فرط ثقلها على أجساد الفتيات، مقارنةً بالرجال"، تقول الطبيبة أن مجرد توفير بديل لم يكن أمرًا سهلًا في بداية انتشار المرض، خاصةً أن هذه البدلات كانت تُستورد من الخارج، ومؤخرًا بدأت بعض الشركات في تصنيعها محليًا، وهو ما جعلهم يغيرون من المواد المصنوعة بها لتصبح أقل وزنًا وأكثر خفة، ومع ذلك كانت لا تزال علبة من الصفيح الساخن". 

 

الكمامات الطبية المخصصة للعزل تركت أثرًا على وجه ندى، كما غيرها من الطبيبات والأطباء، هي لا تعاني من ذلك، فكريمات الترطيب وحماية البشرة كفيلة بأن تعيد بالليل ما تفسده كورونا بالنهار، لكنها تطمح في أن تعتمد الشركات العالمية قياسات وجه مختلفة عن المقاس الصغير أو الكبير، فهناك أوجه أخرى في الشرق الأوسط تحتاج لكمامة لا نضطر لإعادة ربطها برباط خاص قد ينفصم في أي وقت ويسمح بتسلل العدوى.

 

في المملكة العربية السعودية، لم يختلف الحال كثيرًا عن مصر، تشديد رقابي فقط على أي من يتحدث لوسائل الإعلام، ولكن رغم ذلك فالمملكة توفر للجميع سبل الوقاية والحماية، وحين سألنا إحدى الطبيبات المقيمات في مكة عن كونها تعاني كامرأة تحت نير الوقاية، حكت عن زميلتها التي فقدت جنينها دون أن تعرف بحملها، لأن البدلة الوقائية تسببت في تعرض جسدها لسخونة شديدة أثرت على الجنين، فغادر رحمها، وغادرت هي إلى الرعاية المركزة، تعاني من كورونا أيضاً. 

 

لم تعتد الأطقم الطبية في دول الخليج على التعرض لدرجات الحرارة المرتفعة، والجو المشبع بالرطوبة، كان هذا أسوأ ما يمكن تحمله، فتقول "ع.ل": "كأن الأمر أشبه أن بابًا من أبواب جهنم قد فتح علينا، نوبات الضغط المنخفض والمرتفع لاحقت زميلاتي جراء بقائهن تحت نير هذه البدلات لفترات طويلة في هذه الأجواء الحارة، كان الأمر سيئًا جدًا، ولولا أجهزة تخفيف الرطوبة التي تم استخدامها بديلًا عن المكيفات كي لا تساعد على انتشار الفيروس، لقتلتنا الوقاية". 

 

تحكي طبيبة الجلدية نوال مصطفى، والتي تعمل بإحدى العيادات الخاصة بالرياض، أن كثير من النساء في العزل يتواصلون معها يوميًا لسؤالها عن علاجات حساسية جلودهن أو التهابات بشرتهن. وتقول نوال، التي تم إيقاف عملها في العيادة الخاصة حتى إنهاء الحجر الصحي، أن معاناة الأجانب مع الزي الوقائي أمر لا يطمح إليه العاملون في الكادر الطبي العربي: "أنا مصرية وجئت مع زوجي للعمل بالسعودية، كنت في مصر أحصل على 19 جنيه بدل للعدة، فكيف أطمح في بدلة واقية تحمي بشرتي وتحافظ على جلدي ولا تنتهك آدميتي كأنثى أعاني من نزيف شهري قد يودي بحياتي داخل هذه السلخانة؟". 

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري