"ليه لأ؟": قصص لا تحكيها المسلسلات

Article Details

"ليه لأ؟": قصص لا تحكيها المسلسلات

بطلات من قلن لا في وجه من قالوا نعم.

رسوم ليزا رانيفا

لم يكن الأمر مجرد تيمة لمسلسل تلفزيوني، كان مشوقًا للغاية مشاهدة أغنية مقدمته طيلة شهر رمضان: "عافية ذوق، طول ما أنا صاحبة حقوق، مش هبان مكسورة  ولا هبان يوم ضعيفة"، على أمل متابعته في النصف الثاني من الشهر الفضيل، لكن ربما لم يجد القائمون على خارطة الترفيه في تمرد البطلة ما يجعلهم راضون عن العمل وأصحابه. "ليه لأ؟"، خمسة عشر حلقة متلفزة، بدأت بحفل عرس تهرب منه العروس التي شارفت على إنهاء عقدها الثاني، فرضخت لضغوط الأهل وسموم المجتمع وقبلت الزواج بالعريس المناسب، وفجأة ووسط الاحتفال وقبل دقيقة من إمضائها على ورقة تمتعها بالأهلية الكاملة في نظر المجتمع، قررت الهرب، لتصبح كاملة دون نقص في نظر نفسها.

 

أثار المسلسل ضجة كبيرة في الأوساط المحافظة وحتى بعض الأوساط النسوية، لاموا على فتاة المسلسل أن تعتمد في حياتها المستقلة على ساعتها الروليكس، ووضع الجميع خطًا موازيًا للبطلة: المحافظون رفضوا استقلالها وهروبها من حفل الزفاف، أما النسويون فاستكثروا عليها ساعتها، فهي لم تمر بمعاناتهم، ولم تعرف ماذا يعنيه استقلال فتاة لا تملك روليكس.

 

لكن في جانبٍ آخر كان هناك من رأت في نفسها نموذج آخر للقصة، وجهًا مختلفًا للرفض، لم تصنعها المسلسلات، بل صنعها الواقع، وسط زحام من نعم، ظهرت على موقع التواصل الاجتماعي مجموعة "ليه لأ؟"، واستطاعت في غضون أسابيع قليلة أن تلفت الأنظار وتكتب فصلًا جديدًا في تحرر المرأة العربية من سطوة مجتمعاتها.

 

تعرفت على نساء "ليه لأ؟" في الأيام الأولى للمجموعة الافتراضية، متابعة صامتة أغلب الوقت، قصص العودة للحياة، بعد زمن من الوأد، واحدة خرجت من جحيم علاقة مؤذية، وأخرى هربت بما تبقى من عمرها من ظل رجل نرجسي، وثالثة هزمت المرض وتحدت الأوجاع، وأخرى وقفت في وجه أسرتها وحصلت على ما أرادت من تعليم أو استقلال، أو اختيار مرفوض أيًا كان، قصص كثيرة كانت متابعتها أمرًا مرهقا، ليس بسبب الكتابات المطولة، ولكن لأنني ومع كل قصة كانت هناك لي "لأ" تتردد بداخلي. 

 

بعد أيام من المتابعة وحيدة، قررت مشاركة عدد من الصديقات، أرسلت لهن الدعوات فقبلوها، بقوا صامتين، كنت قد اخترتهن بعناية، أعلم جيدًا ما يدور في حياتهن، وأعرف أنهن في سباق مع "ليه لأ؟". ربما تحدث اليوم، ربما غدًا، ربما بعد سنوات، لكن المؤكد أنها ستحدث، وبعد أيام أخرى، كتبت على فيسبوك عن المجموعة الجديدة وما يدور فيها، كثيرات طلبن الانضمام، ولبيت طلبهن، ثم فوجئت بخروج جماعي بعد أيام معدودة، حيث لم يطقن الاستمرار ولم يتحملن البقاء. 

 

أغلب الصديقات اللاتي أضفتهن للمجموعة كنّ في الثلاثينيات، الغالبية منهن عاملات، تنوعت حالاتهن الاجتماعية بين الآنسة والمتزوجة والمفارقة موتًا أو انفصالًا، لكن نعم كانت تطحن الجميع، واحدة فقط من بين الصديقات كتبت قصتها مع "ليه لأ؟"، فقد قررت أن تحكي عن ليه زوجت أبيها بعد وفاة أمها، ليه لم تشعر ضغينة أبدًا مع زوجة الأب التي كانت بمثابة أمًا ثانية لها، ليه لأ خاضتها مع نفسها مرات عديدة لتهزم الخوف من "المرض البطال" الذي أصاب والدتها فماتت به، وفي كل مرة تذهب للكشف الدوري تعود خائفةً من النتيجة، ليه لأ خاضتها الصديقة مرة أخرى وهي تشجع نفسها لاستعادة جسدها القديم قبل أن يهلكه الزمن والزواج والإنجاب ونوبات الإهمال والاكتئاب، كسرت الصحفية الأربعينية روتين حياتها بعادات صحية جديدة، فعادت لها روح العشرين بعد أن كانت قد حسبت نفسها في عداد المسنين. 

 

ولم تكن قصة صديقتي هي الوحيدة التي تستحق أن تُروى.

 

م.ح.، 38 عامًا، امرأة عادية، تزوجت عقب تخرجها من الجامعة وأنجبت ولدين، وفي سن الثالثة والثلاثين، كانت أول "ليه لأ؟" حين تصادف حضورها مع ابنها عرض مسرحي في قصر الثقافة لمحافظتها البعيدة عن العاصمة، كان إعلان مطلوب وجوه جديدة معلقًا على الجدار، حملقت عيناها في الإعلان وغابت عنها كل التفاصيل التي من الممكن أن تفوت عليها تلك اللحظة، ودون وعي كانت قد دونت اسمها وأخذت موعدًا لحضور البروفة الأولى. عام كامل مر على تلك اللحظة، وقفت فيه عشرات المرات على خشبة المسرح، واستمعت لأصوات التصفيق تطرب أذنيها. ثم بدأت المرحلة الثانية في طريق "ليه لأ؟"، حين كتبت روايتها المسرحية الأولى، وتقدمت بها لمسابقة ثقافية، وفازت المسرحية عشرة آلاف جنيه، كانوا أول أموال تكسبها السيدة الثلاثينية والتي عرفت طريقها للكتابة فاحترفت؛ كاتبة للروايات، ثم كاتبة سيناريو، ثم فيلم وثائقي عن ختان الإناث يفوز في عدة مهرجانات دولية. كل هذا يحدث فجأة، تتداعى الأحداث بلا أدنى تفكير منها، فكل ما كانت تفكر به أحيانًا أنها ليست امرأة عادية خُلقت لتعيش حياتها بين المطبخ والزوج والأبناء، ليس تحقيرًا من تلك المهمات، لكنها لم تكن طبيعتها أبدًا. 

 

الحياة تبدأ بعد الخمسين، هكذا بدأت م.م.، التي بدأت قصتها في ذكرى ميلادها الخمسين، صورتها لم تكن توحي أبدًا بعقودها الخمسة، وكان أول طريقها نحو الـ"لاءات" التي غيرت حياتها هو قرارها بالاحتفاظ بشعرها الأبيض، أن تمتنع تمامًا عن لون مزيف تستعيض به شبابًا ولى، فقررت أن تبحث عن شباب لا يفر من بين يديها. من 32 عامًا، أهداها أحدهم جيتارًا في مناسبة عائلية، احتفظت به معلقًا على الحائط ومعه كانت تعلق أمنية تتجدد يوميًا: "يومًا ما سأتعلم وأعزف الموسيقى"، استمر الجيتار معلقًا 32 عام، ومعه الأمنية التي لم تتحقق سوى بعد أول "ليه لأ؟" اتخذتها م.، ثم توالت الـ"لاءات" فتعلمت السباحة وشاركت في ماراثون للجري. 25 عامًا قضتها م. منذ زواجها، لم تحقق فيها شيء لنفسها، ثم قررت التمرد على كل ما يعيق حياتها في السنوات الباقية. 

 

يعتقد البعض، أن طريق "لأ" يبدأ من الطلاق؛ نعم هذا اعتقاد صحيح، غالبية قصص المجموعة النسائية أثبتت ذلك بالفعل، والقليل منها فقط كان يحكي عن تجارب دعم من الأزواج، كانت تراها كثيرات قصص نادرة في زمن لا يمكن الاعتماد فيه على دعم رجل لمواجهة الحياة، الرجال في حياة نساء المجموعة أدوارهن محدودة: إما أب داعم، أو أب مسيطر، أو زوج طلق الزوجة والأولاد، أو زوج ثان كان بمثابة تعويضًا عن الحياة الصعبة التي عشناها. 

 

تجربة الزواج الثاني، رغم بديهيتها المدعومة بالأمر الإلهي، إلا أنها في المجتمعات العربية طريق مزروع بالشوك، ولا مدوية وسط موجات التضحية والفناء بعد الفشل الأول. تجربة ن.س.، 40 عامًا، كانت مختلفة، فهي زوجة ثانية لرجل أصغر منها بثماني سنوات كاملة، يبلغ من العمر 32 عامًا، 3 سنوات من الدعم والمؤازرة جمعت المرأة الأربعينية مع هدية السماء كما تسميه، عرفته وهي في أسوأ حالاتها، فتحملها، حتى استطاعت أن تسدل ستار النهاية على قصتها الأولى، لكن لم تكن تعرف أن الطريق ليس سهلًا ولا مفتوحًا أمامهما، هي نفسها لم تكن بعد قد حسمت قرارها بالزواج الثاني من شخص يصغرها بكل تلك الأعوام، لكن وجوده الداعم كان له أكبر أثر على تغيير كافة قراراتها، ثم حياتها فيما بعد، اعتبرت ن. أن العمر مجرد رقم، وهذه الجملة ليست صحيحة دائمًا، لكن وسط نساء المجموعة، يمكن اعتبارها كذلك، و20 عامًا لم تفرق بين محمد وخديجة، فاتخذت قرارها، وعرفت معه معنى الحياة من جديد. 

 

نساء مجموعة "ليه لأ؟"، كانوا على اختلاف مستوياتهن الاقتصادية وحالاتهن الاجتماعية، قادرات على دعم بعضن البعض، فتحولت المجموعة من مجرد ساحة للفضفضة والحكي، لمجموعة داعمة نفسيًا وصحيًا، بالإضافة لمحاضرات أونلاين يقدمها لايف كوتش، أو خبيرة تجميل، أو معالجة نفسية، أو حتى أصحاب المهارات المختلفة، ومعها دعوات للقاءات جماعية حيث تلتقي النسوة الأبطال، الذين قالوا "لأ" في وجه من قالوا نعم، في يخت بالنيل كان الترتيب للقاءهم الأول، كم رغبت في المشاركة! لكني لم أزل أسعى خلف "لأ" تخصني. 

 

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري