نساء بيروت يروين قصصهن يوم الانفجار

Article Details

نساء بيروت يروين قصصهن يوم الانفجار

"ثواني، مر فيها شريط حياتي بالكامل أمام عيني".

لقد مرّ شهرٌ كامل. شهر على الحادثة؟ الانفجار؟ الدّمار؟ لا زلنا لا نعلم ما هي العبارة المناسبة لوصف ما حدث يوم الثلاثاء في الرّابع من شهر آب في بيروت. لا نزال نحاول فهم ما حصل، أو ربّما استعابه. نحاول وصفه مرارًا وتكرارًا لربّما نفهمه نحن، لكن كيف نصف ونعبّر عن لحظةٍ ظننا فيها أننا متنا ولم نفهم كيف بقينا أحياء من بعدها؟ بقينا لمدّة أسبوعٍ كاملٍ نسأل أصدقاءنا وأحبابنا مجرّد سؤالٍ واحدٍ: "هل لا زلت على قيد الحياة؟" أمّا الجواب ففي أغلب الأحيان يأتي على الشكل ذاته "حيٌّ جسديًا فقط".

لقد مرّ شهرٌ كامل، ولا تزال شوارع بيروت تلمع في المساء. تلمع من كثرة الزجاج الذي تحطّم، وحطّم قلوبنا وبيوتنا وما تبقّى لنا من أملٍ معه. لم يبقَ من جسدٍ واحدٍ في المدينة هذه إلّا واخترقه الزجاج. ما قبل 4 آب ليس كما بعده. فقدنا الكثير ولا نزال نبحث عن ما تبقّى لنتشبّث به ونحاول أن نستمرّ معه. صمدنا كثيرًا وحاربنا طويلًا، لكننا اليوم سقطنا، سقوطًا مدويًا. لا لم نعد أقوياء ولم نعد قادرين على تحمّل المآسي. نتعلّم كيف نتعامل معها، ربّما، ولكننا نرفض تطبيعها ونرفض التعايش مع هذا الواقع العبثي والسوريالي.

لقد مرّ شهرٌ كامل، فماذا حصل في 4 آب عند السّاعة السادسة والثمانية دقائق مساءً؟ هذه قصص بعض النساء الذين أخبرونا عن تجربتهنّ الشخصية يوم انفجر 2,750 طنًا من نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت.

 

miraa image header

 

غادة، 25 عامًا، صحفية

"كنت في منطقة السوديكو بالأشرفيّة. في تلك الفترة كنت أشعر بضغط نفسي كبير وكأنّ شيئًا ما سيحدث. قررت أن أمشي في شوارع بيروت لأرتاح قليلًا فلجأت إلى الطريق الرئيسي الموازي لشارع الجميزة أي طريق المرفأ. لحسن حظّي، تعبت من المشي، فاستقلّيت السرفيس وذهبت مباشرةً إلى منطقة الدورة لأستقلّ الحافلة وأعود إلى منزلي، وكان عددًا من الأشخاص يقول أنّه يوجد حريق كبير في المرفأ.

استقليت الحافلة وبدأت بالتحرّك. الشارع كان ضيّقًا. بعد حوالي الدقيقة والنصف من دخولي إلى الحافلة لاحظت أنّ الأشخاص يركضون نحو بيروت (الحافلة تتحرّك نحو الشمال) ويصرخون "طيّارة! طيّارة!" وهم يصورون ويضحكون. فجأةً بدأت تتحوّل ردّة فعلهم إلى خوفٍ وهلع وتغيّرت وجهتهم بالركض. أنا لم استوعب بعد ماذا حصل. بين الضّحك والهستيريا ثواني معدودة وأنا لا أزال تحت الصدمة. أذكر أن أصوات الطيران أصبحت قويّة جدًا إلى حدّ ما سمعت صوت، لا يمكن أن أصفه بصوت "انفجار"، بل كان يشبه صوت "جرّافة" ضخمة جدًا وقد جرفت المدينة وناسها بأكملها بلحظةٍ واحدة. ردّة فعلي الأولى كانت بمحاولة اختبائي بين المقاعد وتقوقعت على نفسي بمحاولة مني لأحمي نفسي من الزجاج الذي تتطاير أينما كان. لم أكن قد استوعبت ما حدث بعد. البعض يقول أنّه قصف إسرائيلي، والبعض الآخر يقول أنه انفجار في منطقة الدورة. عندما خفت صوت الانفجار بعض الشيء، خرجت من الحافلة ودخلت الصيدليّة.

دخلت إلى الصيدلية، جلست في الأرض واجهشت في البكاء وبدأت أرجف وكأنني لم استوعب أنني لا زلت على قيد الحياة، ثمّ دخل شخص مغطّى بالدماء... كان المشهد مرعبًا، وأنا ما زلت مقتنعة بأنّه قصف إسرائيلي. ثمّ وصلني خبر أنّ الحافلة ستنطلق من جديد. كنت أريد العودة الى منزلي ولكنني كنت مرتعبة من "القصف" ولم أعرف كيف أتصرّف، فماذا لو "قصفت" مرّةً أخرى؟ اقتنعت بعد دقائق بضرورة العودة وعندما عدت إلى متن الحافلة كان الوضع هستيري بكلّ معنى الكلمة. دماء وزجاج أينما كان، لم تعد الوجهات محددة ولا واضحة وكان هناك ناس تركض في جميع الاتجاهات. أصبنا في الطريق إلى المنزل بهستيريا، وفور وصولي للبيت بدأت أفكّر بالحرب. بغضّ النظر عن الواقع والحدث الفعلي، كنت أفكر بطريقةٍ وكأنني متوقّعة حصول مأساة كهذه وكأننا متقبّلين فكرة الحرب والموت سويًا. عندما استوعبت أنّ المرفأ انفجر شعرت بقهر: "يا ريتها إسرائيل، عالقليلة منعرف انّا حرب وانه مش نحنا يلّي عملنا بحالنا هيك!"

تلك الليلة لم أنم. اليوم الثّاني والثّالث لم يكن أفضل حالًا، فكنت أبكي طول النهار. ردّة فعلي الأولى كانت دخولي إلى موقع LinkedIn وبدأت بتوزيع سيرتي الذاتية على جميع أنواع الوظائف، لم أستطع أن أتحمّل فكرة وجودي في هذا البلد لمدّةٍ أطول. وبعد فترة قصيرة قررت زيارة خالتي، وعندما كنت في السيّارة مع والدتي، توقّفت لشراء بعض الحاجات وبقيت بالسيارة. اقترب شخص من السيارة وألقى بكتفه عليها يصدر عن هذه الحركة صوت خفيف، بدأت أبكي من جديد وكأنني عدت إلى اللّحظة ذاتها! بعد أسبوعٍ كامل وأنا أبكي فيه قررت أن أحاول أن أقوم بالأمور "الطبيعيّة" التي يمكن أن أقوم بها لكن كنت أشعر بخنقة قاتلة وبحزنٍ عميقٍ جدًا. حاولت زيارة البحر وألعب كالطّفل، بدأت أرسم وألوّن و اقوم بتركيب Puzzle، أطبخ... أي شيء يمكن أن يبعدني عن التفكير! حاولت أن أحكي مع أصدقائي عندما كنت أشعر بانزعاج وهذا ما دعمني بشكلٍ كبير، وصرت أقول لحالي "رح تفلّي، لو شو ما كان بكرا رح تفلّي!". بعدني لليوم ما رجعت نزلت على بيروت وما بدي إنزل على بيروت!"

 

miraa image header

 

ريتا، 25 عامًا، موظفة بنك

"كنت أمشي إلى منزلي في الجميزة وكنت قد وصلت إلى مدخل طوارئ مستشفى السان جورج في الأشرفيّة. سمعت الصوت الأوّل (للانفجار الّذي حدث قبل الانفجار الكبير)، فوقفت للحظة في مكاني لأستوعب ما سمعته للتوّ، ولم أفهم بطبيعة الحال لكنني لاحظت أنّ الأشخاص حولي باتوا قلقين جدًا، وبدأوا بالركض بجميع الاتجاهات، وبدأوا بالصراخ وأنا ما زلت عاجزة عن فهم ما يحدث. بعد بضعة ثوانٍ سمعت صوت الانفجار الكبير. كان الصوت قوي جدًا، ومن قوّة الانفجار، "طرت" من مكاني لمسافة مترين إلى الوراء ووقعت تحت شرفة منزل قديم جدًا. هذا ما أذكره، لكن إلى حدّ تلك اللحظة لم أكن قد فهمت شيء بعد.

وقفت مباشرةً وبدأت بالركض لكن في مكاني وأنا منحنية وكأنني متوقّعة انفجار آخر. كنت أشعر برعبٍ كبير، وفي ذات الوقت لم أعرف ماذا علي أن أفعل وكيف أتصرّف. الطريق لم تبقى هي ذاتها ولم أعد أعرف أنا أين بالتحديد. عندما بدأ الضباب ومخلّفات الانفجار بالخمود، اتّضحت الرؤيا بعض الشيء وقررت بالمشي قدمًا إلى منزلي. في تلك اللحظة المشهد كان سوريالي. شعرت وكأنني داخل فيلمٍ عن نهاية العالم، وكأنني في فيلم "2012" بالتحديد! كانت الفوضى  تعم كل مكان، كنت أرى ناسًا تصرخ حولي، وناس مضرجّين بالدماء ومستلقين على الأرض. كنت أمشي إلى المنزل وأنا أرجف من شدّة الخوف، وكانت ردّة فعلي الأولى هي الاتّصال بأختي لأخبرها ماذا حدث.

بكلّ ثقةٍ أخرجت مفاتيح منزلي لأفتح الباب عند وصولي إلى البيت، وصلت إلى المبنى، صعدت فوجدت باب المنزل على الأرض. رميت مفاتيح المنزل، لم أعد بحاجة إليهم. نظرت داخل البيت، حاولت الدخول لكن لم أجد بيتي. قبل أن أكمل "البرمة" في البيت، ذهبت مباشرةً إلى غرفتي، أخذت الباسبور الأوكراني الخاصّ بي، خرجت وجلست على الدرج. بدأت أبكي وشعرت بأنني مشرّدة للحظة وبأنني فقدت كلّ شيء. 

في الأسبوع الأوّل بعد الانفجار شاركت بجلسات علاجٍ جماعيّة عن بعد، لكن لا أظنّ أنني تعاملت مع الموضوع بشكلٍ كامل، ولا يزال يشكّل صدمة كبيرة بالنسبة لي ولا زلت لا استوعب ماذا حدث في ذلك اليوم ولا أفهم ماذا يحدث اليوم! لكن الطريق الوحيد الذي أصبح واضحًا بالنسبة لي، ولسوء الحظّ، هو أنني لن أبقى في لبنان أبدًا والهجرة أصبحت مشروعًا قائمًا. لا أستطيع أن أتحمّل بعد اليوم عبثيّة الحياة في بلدٍ كهذا. أحاول اليوم قدر المستطاع أن أتحدّث عن الموضوع وأن أشارك تجربتي لعلّني أخفف من هول الصدمة. أشعر أنني أتعامل مع الحالة بـ"عدم التعامل معها". أعيش اليوم في خوف ورعب دائم، وأصبحت فرضيّة "يصير شي لإلي أو لعيلتي" أعلى بكثير ودائمة".

 

miraa image header

 

ايفونا، 23 عامًا، مديرة برامج

"كان نهار عادي جدًا بالنسبة لي، وحوالي السّاعة السادسة مساءً خرجت من عملي على طريق بشارة الخوري وتوجّهت إلى النّادي الرّياضي الموجود في منطقة مار مخايل والطريق التي أسلكها بشكلٍ عامّ هي طريق المرفأ. حوالي السّاعة السادسة والسبعة دقائق مررت بجانب المرفأ ورأيت الدخان يتصاعد من المرفأ، فحملت تلفوني لأصوّر الانفجار الأوّل بينما كنت أحكي مع شوفير السرفيس عن تعاسة الوضع في لبنان وكان يقول لي أنّ لا أحدًا يمكن أن يعلم ماذا سيحلّ بنا من مصائبٍ بعد. كان الدخان يتصاعد بشكلٍ كبير جدًا أمامي وكنّا قد أصبحنا مواجهين للمرفأ مباشرةً. انفجر المرفأ أمام أعيني وانعدمت الرؤيا بشكلٍ كاملٍ، لحقها صمت مدوّي لدرجة أنني أذكر صدى صوت الانفجار. شعرت بعدها بالزجاج المتطاير يتداخل في جسدي، تقوقعت على نفسي، اختفى التلفون من بين يدي وتضررت رقبتي من حدّة الضربة. لمدّة دقيقة لم نستوعب أي شيء مما حصل، وعندما نظرنا إلى الخارج، انعدمت الرؤية؛ رمادٌ ودخانٌ وكأنّ المدينة اختفت. نزلت من السيارة والرؤية لا تزال منعدمة، شعرت بخنقةٍ لكن كان هناك كمية مشاعر لا توصف ولم أكن قد فهمت ماذا حلّ بي. حاولت الاتّصال بالجميع لكنّ الخطوط توقّفت. بدأ الدخان يخمد واكتشفت أنني مضرّجة بالدماء. كلّما اتضّحت الرؤية كلّما ازدادت مشاهد الدمار، السيارات المنقلبة والجثث أمامي. بدأت بالصراخ وبالنسبة لي كان على الإسعاف أن يصل، وظننت أنّهم أضاعوا الطريق! مجددًا، لم أكن قد فهمت أي شيء بعد ولم أفهم أنّ الطريق لم تعد موجودة أساسًا ليصل الإسعاف.

ظهرت الغيمة الملونة النّاتجة عن النيترات فوق رأسي وشعرت برذاذ من المطر، كان المرفأ أمامي عبارة عن كتلة نار هائلة، وبدأت أفهم ماذا حصل. اتّصل بي جاري وقال لي بالتحديد: "امشي صوب البيت هلّق!". قررت الذهاب إلى منطقة الجميزة وإلى المستشفى قبل الوصول إلى المنزل. بدأت بالمشي، ولكنني لم أجد الجميزة، ولا المستشفى، ولا الطريق. اتّصلت بصديقتي وقلت لها: "ما عندي شي روح عليه، اختفت المدينة!". كلّما تقدّمت، كلّما ازدادت مشاهد الدمار والهستيريا والدماء. صرخت بي امرأة وطلبت منّي الصعود معها بالسيارة لتقلّني، تلك المرأة أضاعت أطفالها ولم تكن تستطيع الوصول إليهم! قررت البقاء معها لنجد الأطفال، منزلها مواجه للمرفأ مباشرةً، اتّصل زوجها بها ليخبرها أنّه وجدهم وكان واحدًا منهم مصاب. لا أعرف كيف، لكننا استطعنا الوصول إليهم. بدأت أنا بالقيادة وبقيت هي مع أطفالها، شعرت أنني داخل فيلم Fast and Furious، وهنا ازداد استيعابي لحجم الكارثة، كنت قد اجتزت مسافة كبيرة من المرفأ وكان الدمار يزداد! وصلنا إلى منزل عائلتها القريب من منزلي، فتركتها مع الأطفال بأمان واتّجهت إلى المنزل.

حقيبتي على ظهري، الزجاج في جسدي والدم يسيل منّي وأنا أمشي على الطريق وعلى الزجاج محاولةً الوصول إلى البيت. بيتي قريب من أحد المستشفيات، ومشهد الناس أمامي مستلقية على الطرقات كان مرعبًا!

وصلت إلى البيت، وكانوا أصدقائي في انتظاري. جلست، أشعلت سيجارة وبدأت بالبكاء بينما كان أصدقائي يزيلون الزجاج من جسدي. لم أنم تلك الليلة. في اليوم التّالي عدت إلى منزل أهلي في شمال لبنان، وبقيت هناك حتّى اليوم. أصدقائي واقفون بجانبي دائمًا، لكني لا زلت لا أستطيع أن أتحدّث عن الموضوع".

 

miraa image header

 

مارو، 52 عامًا، محاسب أول

"أعمل بجانب مستشفى الرّوم في الاشرفيّة ومنزلي بجانب المستشفى أيضاً. في ذلك الوقت عادةً أكون في البيت، ولحسن الحظّ لم أكن ذلك اليوم. خرجت لشراء بعض الحاجات وعندما وصلت الى جانب المنزل سمعت الصوت الأوّل، عرفت مباشرةً أنّه انفجار ولم يكن مريب جدًا. ثمّ سمعنا أصوات طيران بعدها فشعرت للوهلة الأولى أنّ الطائرة بدأت بالقصف فوقي تمامًا، وهذا كان صوت الانفجار الثّاني.

في اللحظة عينها طرت من مكاني وأصبت بعدّة أماكنٍ في جسدي. في تلك الثواني لم أكن قد استوعبت أو فهمت ماذا حدث وأين أصبحت. الغبار والجوّ العام أوحى وكأنّ ذلك النيزك ضربنا وأخيرًا. لمدّة أقلّ من ثواني، أصوات النّاس بالإضافة إلى صوت الانفجار تعلو إلى جانبي وكنت مقتنعة للحظةٍ أنّها هذه هي النهاية ولم أكن أفهم إذا كنت لا أزال حيّة أو ميتة. في هذه الثواني مرّ شريط حياتي بالكامل أمام أعيني.

ثم ركض نحوي شخصًا لينتشلني من الأرض لأن زجاج وحديد الأبنية حولي كان يتساقط عليّ بدون ملاحظتي. هذه المعمعة حصلت بدقائق معدودة قبل أن يركد الجو لكنها كانت ساعات بالنسبة لي. نظرت حولي، حاولت الدخول إلى مكان عملي، فلم أجد شيئًا، وحاولت الصعود إلى منزلي، لم أصل، فقد تدمّر بالكامل، التفتت نحو سيّارتي، فوجدت أنّها تكسّرت. بالرّغم من إصابتي، لم أكن أشعر لا بالدماء ولا بالأوجاع. تواصلت مع أهلي مباشرةً، وحاولت الوصول إلى المستشفى التي تدمرت هي أيضاً وكان الجرحى أمامي مستلقين في الطريق. كان هناك رجلًا بعمر الثمانين عامًا مستلقي على الأرض وينزف بشكلٍ شديد ولا أحد استطاع أن يصل إليه! كنّا نمشي على الزجاج المطحون وكأنّ الطرقات اختفت. مقابل ذلك وبسبب تدمّر المستشفى، كان المرضى الموجودين بالدّاخل يهربون إلى الخارج! أمّا المشهد الذي لن أنساه بحياتي هو مشهد أمّ وأب يهربون مع ولدين بين ذراعيهم، وعمر الولدين لا يتخطّى البضع ساعات...

بقيت في حالة صدمة، لم أكن أشعر بشيء، بل كنت واقفة لوحدي أراقب المشاهد أمامي. بدأت أشعر ببعض الألم فمشيت حوالي 2 كم على زجاج لاستطيع الوصول إلى أختي لتقلّني إلى مستشفى، إلا أن جميع المستشفيات في بيروت توقّفت عن استقبال المصابين لأنّه لم يكن لديها المصادر لاستيعاب هذا الكمّ الهائل من الإصابات، لدرجةٍ أن طريقة تقطيب الناس تحولت إلى "تكبيس" للجروح لأنّه لم يعد هناك المجال لإتمام المهام كاملةً. ذهبت مع أختي مباشرةً إلى صيدليّة أحد أقربائنا، فكانوا محضرين وحاولوا قدر المستطاع تأمين أدنى اللوازم لتنظيف الجروح على الأقل. لكن كان علي زيارة المستشفى فاضطررت إلى الخروج من بيروت والتوجّه نحو الشمال. لم استطع تقطيب الجروح إلّا للساعة العاشرة مساءً!

كنت قد صمدت كلّ ذلك الوقت لكن عندما حاولت النوم ذلك الليلة، عبثًا كانت المحاولات. عندما بدأت الحرب الأهليّة كنت بعمر الثمانية سنوات، ومررنا بأصعب الحالات، لكن طوال ذلك الوقت لم أشهد على حدثٍ كهذا وهذا كان من أقسى ما مررت به. أنا لم أخسر ما خسره غيري، هناك أشخاص فقدت عائلتها ومنازلها بلحظةٍ واحدةٍ، بالإضافة إلى أعمالها! هناك أطفال مرّوا بهذه التجربة فكيف لهم أن يستمرّوا؟ مشاهد الدمار والدماء لا تنتسى! في الأيام التي لحقت بهذا الحدث لم يكن لدي القدرة على تحمل أي نوع من الأصوات حولي، ومع الوقت أصبحت الأمور أسهل بالنسبة لي…".

 

miraa image header

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري