Miraa Images

سيف الإعلام… و رقبة المرأة

Article Details

سيف الإعلام… و رقبة المرأة

كالعادة تأتي النساء في مقدمة صفوف الضحايا، و كلما كانت المرأة في موقف قوة أو راحة أو نجاح أو استقرار، كلما كانت أكثر إغراءاً لحاملي سيوف الإعلام.

AddThis is disabled because of cookie consent

لا يمكن أبداً إنكار دور الإعلام في حياة الأمم، فاللإعلام هو السلطة الرابعة التي من المفترض أن تساهم في مراقبة السلطتين التشريعية و التنفيذية في سبيل الحفاظ على مقدرات الوطن و تحسين جودة حياة مواطنيه. الإعلام من المفترض أن يكون  سلاح الشعب و درعه، لكن في زمن “الشير” و “اللايكات” و “التريند” و “الكليكس”، أصبح لإعلام الإثارة المقام الأعلى، ولم يعد حتى السعي خلف الفضائح كافياً، بل تخطى الإعلام خطاً أحمراً لم يكن قد تجاوزه من قبل، وجعل من تغطية مناسبة مدعاة للفخر وهذا الخط الأحمر هو صناعة الفضائح بيد الإعلام. و كالعادة تأتي النساء في مقدمة صفوف الضحايا، و كلما كانت المرأة في موقف قوة أو راحة أو نجاح أو استقرار، كلما كانت أكثر إغراءاً لحاملي سيوف الإعلام. فما هو أكثر إثارة و تسلية من وضع  امرأة تحت الضوء و قتلها معنوياً عن طريق رميها بكل ما في جعبة المجتمع المتحيز ضدها أصلاً من سهام؟ إنه شيء أكثر إثارة و إمتاعاً بالكثير من مصارعات العبيد مع الوحوش الكاسرة في ذروة قوة الامبراطورية الرومانية، ولهذا نرى كل يوم المزيد و المزيد من الراقدات جثثاً نازفة فوق أرض ساحات الإعلام، و سأسوق هنا بعض النماذج ممن أسهم الإعلام في جعل حياتهن جحيماً على الأرض، فقط من أجل حفنة إعلانات.

سمية، 30 عام

 

ربما تتذكر معي مثلاً حادثة (سمية) فتاة المول، حيث تعرضت منذ سنوات قليلة الفتاة المصرية الثلاثينية للتحرش من أحد الأشخاص في أحد مولات القاهرة و حين أبدت امتعاضها على تحرشه، قام  بضربها، و حين استغاثت بأمن المول الذين سيطروا على المعتدي و انتقل الأمر للشرطة والقضاء، قامت إحدى مقدمات البرامج ممن يشعن عن أنفسهن انتمائهن لـفيلق حماة أخلاق المجتمع باستضافة الضحية. و بينما كانت تستعد الشابة للظهور في البرنامج قام أحد أعضاء فريق الإخراج بسرقة جهاز تليفونها و الحصول على ما يحتويه من صور لتستخدمها السيدة الفاضلة مذيعة البرنامج في شن مقدمة نارية تشير من خلالها بكل أصابع الاتهام للفتاة مدعية أن من ترتدي فستاناً قصيراً في مناسبة ليلية أو ملابس خاصة بالسباحة لنزول البحر و تتجرأ لتلتقط لها صورة و هي تضحك أو تمزح مع صديق لها في أي يوم من الأيام، هي بالتأكيد فتاة مستهترة تستحق أن يتم التحرش بها. و حتى لو لم تكن هناك أية علاقة بين الصور المسروقة من تليفونها المحمول و حادث التحرش الذي تم تصويره عن طريق كاميرات أمن المول، فإن هذا لم يمنع مقدمة البرنامج المحترمة من أن تنفي أي مجالاً للشك داخل قلوب و عقول مشاهديها في أن الفتاة قد تلقت من الجاني ما تستحق، و أن حقارة فالمعتدي و إجرامه ما هو إلا رد فعل لسلوك الضحية الذي رآه الجاني مستفز فلم يجد بداً من أن يجن جنونه.

وبعد هذا النهج المبتذل من الانتهاك الفادح لخصوصية (سمية) انهالت مكالمات مشاهدي البرنامج الشعبي فوق رأس الضحية كأسواط من نار. و هكذا قد قضت السيدة المذيعة على سمعة الفتاة و على وضوح و نصاعة قضيتها في عيون مشاهديها فيما اعتبر واحد من أسطع أمثلة الاغتيال المعنوي على شاشات التليفزيون. و بينما استمرت الفتاة في إجراءات قضيتها ضد المتحرش بها، فقد قامت برفع قضية أخرى على فريق إعداد البرنامج متمثلاً في مذيعته الخلوقة، و بينما انتهت دورة التقاضي الأولى بقرار المحكمة بحبس المذيعة و إلزامها بدفع غرامة، فقد انتهت الدورة النهائية من التقاضي إلى إسقاط القضية و خروج المذيعة منها كالشعرة من العجين.

كاريمان، 42 عام

 

أما المثال الآخر فكان ل(كاريمان) السيدة الأربعينية الملهمة، ف(كاريمان) التي كانت قد وجدت نفسها بعد طلاقها من زوجها الأول فانطلقت في الحياة لتنهل من عسلها، وتخوض مجالات الفن التشكيلي وعرض الأزياء والتصوير الفوتوغرافي كي تضع بصمتها على وجه الكرة الأرضية و تصل شهرتها إلى خارج حدود الوطن. قد تميزت حياتها الشخصية ربما أكثر من حياتها العملية، فبين الحين والآخر كانت (كاريمان) تكتب عن علاقتها الصحية بطليقها و زوجته الجديدة، فثلاثتهم يتشاركون في تربية ابنها الذي يعتبر نفسه محظوظاً بهذه العائلة التي يصفها البعض بالمفككة بينما لم يرى هو بين جنبات منزلي أبويه إلا كل تفاهم و تكاتف و حب و اهتمام. فبينما يقضي أطفال الأبوين المطلقين حياتهم في العادة في ساحة قتال، حصل ابن (كاريمان) على أبوين منفصلين و لكنهما متفاهمين بالإضافة لأم ثانية أصبحت مع الوقت صديقة الأم الأولى، هو وضع للأسف نادر في مجتمعاتنا الشرقية المريضة بتبادل الثأر و حمل الضغائن بين أي زوجين منفصلين، و هو على ما يبدو ما أثار شهية إحدى معدات البرامج الحوارية لتتواصل مع سهيلة و تحاول استضافتها مع زوجها و الزوجة الجديدة لتقديم نموذج مختلف من العائلات للمشاهد المصري، لكن (كاريمان) شعرت من مكالمة المعدة معها أنها ربما لم تكن تفهم الوضع على حقيقته، فما كان منها إلا أن اعتذرت بلطف عن الظهور في البرنامج. لكن بعد إلحاح شديد من المعدة و إلحاح أهم من مقدم البرنامج، رضخت للطلب و ذهبت لتحل ضيفة هي وصديقتها أم ابنها الثانية على البرنامج المسائي الشهير لتتفاجأ بأن كل الأسئلة قد تمت صياغتها في شكل يظهرها وكأنها المطلقة الساذجة التي انطلت عليها حيلة الزوجة الجديدة فسلمتها ابنها بعد أن كانت قد قامت بالفعل بسرقة زوجها! كما أفرد مقدم البرنامج مساحة خاصة للهجوم على الزوجة الجديدة التي بالطبع ظنت أن الأمر كله من تدبير (كاريمان) بالاتفاق مع معدة و مقدم البرنامج، ومهما دافعت (كاريمان) خلال الحلقة فلم تكن لتقدر على إنقاذ حياتها التي كانت مستقرة قبل تدخل الإعلام من انهيار نظامها وتسمم مسارها، فاحترق حلمها الجميل الذي كان قد تحقق لها في الواقع و تحول أمام عينيها إلى رماد.

والجدير بالذكر أنه بعد انتهاء الحلقة التي وضعت كلمة النهاية لعلاقة صحية و راقية و جميلة، جاء مقدم البرنامج ومعدته الحساسة ليهنئوا (كاريمان) على نجاح الحلقة الساخنة، ثم انصرف كليهما وتركاها تحاول التفكير في كيفية جمع أشلاء حياتها السابقة بلا أمل.

وهكذا يمكننا أن نرى بوضوح نموذجين صارخين لتدخل الإعلام في حياة المرأة بسوء نية محسوب و متعمد، سواء أكانت تلك المرأة ضحية أو مستقرة و ناجحة، و هي بالطبع ليست النماذج الأولى ولا الأخيرة التي يمكنني أن أسوقها هنا، و لا تدمن أصابع الإعلام اللعب في أساسات حياوات النساء فحسب، لكنها بالتأكيد الحياوات التي يتسبب تدميرها في أكثر جولات مصارعة الإعلام إثارة و تشويق و متعة.

AddThis is disabled because of cookie consent

Miraa Divider
Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات 

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري