سألنا نساء كيف غيرت الكورونا حياتهن

Article Details

سألنا نساء كيف غيرت الكورونا حياتهن

هل تؤمن بحياة أخرى بعد الحجر الصحي؟

رسوم ليزا رانيفا 

4 أشهر من الحجر الصحي، العالم مغلق، لم يكن أحد يتوقع ما حدث؛ هل كان يدور في خلد أحدهم أنه سيستيقظ ذات يوم، ليجد أن عجلة الأرض قد كفت عن الدوران؟ أن هدير الأعمال اليومي سيتوقف؟ هل كان أحد يتخيل أن الحلم الذي اشتهاه لسنوات سيتحقق؟ أن الدعاء الذي ترفعه الأكف كل يوم بـ"يا رب الشغل يموت"؟ مات الشغل وتوقف الزمن واكتشفنا أن هناك أشياء أخرى في الحياة غير أن نستيقظ صباحًا، نشرب الكافيين على عجل كي نضمن أننا استيقظنا، نرتدي ثيابنا بسرعة، ونذهب للعمل بسرعة، وننتهي منه بذات السرعة. بعدها تحضير الطعام، متابعة الأطفال، الاتصال اليومي للاطمئنان على الأسرة، الحديث السريع مع إحدى الصديقات عن مشاكل الحياة، رؤية الشريك مصادفة في المنزل (مصادفة غير متوقعة أحيانًا). نعم نحن لنا شركاء في هذا المنزل، وهذا الشريك يُطلق عليه لقب زوج، يمر بسريرنا بسرعة مرة أو مرتين بالأسبوع أو بالشهر، أو ربما بالعام، المهم أنه يمر كي يضمن استمرار الشراكة، وضمان الدوران في عجلة الحياة. 

 

كانت الشهور الأربعة فرصة كبيرة لاكتشاف أنفسنا، التغيير الذي طالما تحدثت عنه الإرشادات النفسية، اندفعنا إليه دفعًا لمواجهة الاكتئاب والقلق، في أوقات لم يكن أحد يتوقع أن تنتهي، لكن هل انتهت؟ هل انتهت الكورونا؟ هل سيعود العمل ونعود لنفس الدوران من جديد؟ أم سنبقى مستمرين على اكتشافاتنا الجديدة عن أنفسنا؟

 

هل يعيد كوفيد الأخضر في الألوان؟

"سأبقى أرسم… لقد عدت إلى فرشاتي أخيرًا ولن أتركها"، بعد ثلاثة عشر عامًا من الابتعاد عن هوايتها الأثيرة، عادت إيناس عبد الرحمن، 33 عامًا، من جديد للرسم والتلوين، الحائط الرمادي في منزلها يذكرها برمادية حياتها، منذ أن تفرغت لتربية طفليها، تاركةً ورائها حبها للرسم ودراستها التي دامت 4 سنوات في كلية الفنون التطبيقية، لكن أعاد لها الكورانتين شغفها القديم، فتملك من الوقت الآن ما يمكنها من ممارسة هوايتها القديمة، والجدار الرمادي كان أول طريقها نحو استعادة نفسها: "رسمت وردة وعلى أحد أغصانها عصفور، شاركني طفلي بالرسم، تركت له ريش العصفور كي يبدع فيه"، لم تكن تتوقع إيناس أن تعيد لها رسمتها على الحائط ثقتها بنفسها، فانطلقت لرسم وتلوين كل ما تراه بالمنزل: "الدولاب، الجزامة، أرفف المطبخ؛ أخرج الحجر الصحي  في شهور قليلة ما دفنته الحياة على مدار سنين. استخدمت ألوان بلاستيك حوائط عادية، وكثير من صديقاتي طلبوا مني مساعدتهم في تلوين منازلهم، فعدت للعمل من جديد كفريلانسر رسم وتلوين حوائط".

 

كورونا أنقذني من الاكتئاب

"لم تغيرني الكورونا وحدها، الصدمات فعلت أيضاً"، هكذا تحكي هند صادق، 34 عامًا، عن حياتها التي تغيرت بعد الزواج، وتحولت من باحثة في مركز البحوث إلى ربة منزل، كثفت كل جهودها لخدمة أبنائها وزوجها، لكن بعد عشر سنوات فاجئها سؤال طفلتها: "ماما إنتي خلصتي الهاي سكول (المدرسة الثانوية) ولا لأ؟"، لم تسأل الطفلة الصغيرة عن الجامعة، فهي لم تتخيل أن تلك الأم التي لا تعمل ولا تخرج من المنزل ولا تمارس أي نشاط خارج أنشطة تدبير المنزل تكون قد دخلت جامعة من الأساس، الصدمة أفقدت السيدة الثلاثينية نطقها، وبعد الكورونا تعرضت للصدمة الثانية، طفلتها لا تود أن تذهب للجامعة: "أريد أن أصبح مثلك وأبقى في المنزل لتربية أبنائي، لو ذهبت للجامعة سأصبح طبيبة مثل أبي ولن أستطيع رعايتهم"، أدركت هند أنها صارت نموذجًا سيئًا لأطفالها، وأنها ليست الأم التي سيفخر بها أبنائها في يومٍ ما، فكان البكاء ليلًا وسيلتها للتنفيس عن الاكتئاب، ثم تذكرت الهدية القديمة التي أهدتها لها إحدى الصديقات ولم تعرها اهتماما ووقتها، أخرجت الفرشاة والألوان من مخبأها: "رسمت وردة، ثم بدأت طفلتي الصغرى في البكاء، لكن زوجي رفض أن يحملها بما أنني لا أفعل شيئًا هامًا، فعرفت حينها أنه لم يعد من حقي شيئًا، وأنه ليس مسموحًا لي بالخروج عن النص الذي كبلت به نفسي"، رغم الكورونا والحجر الصحي، إلا أنني غامرت وذهبت لشراء خيوط وإبر التريكو والكروشيه، وبدأت في صنع منتجات يدوية، وعت للقراءة من جديد، وأصبح أبنائي يشاركوني في قراءاتي، وينتظرون مني تلخيص للرواية التي أقرأها، وبدأ يدور بيننا حوار بعيدًا عن الدروس والمدرسة والطعام ومشاهدة التلفزيون، أطلقوا عليا لقب السيدة المبدعة، فأصبحت أصمم لهم الملابس، واشتريت ماكينة خياطة وأقوم بتفصيلها، وتعلمت عبر يوتيوب القص والباترون. الصدمات والكورونا غيرا حياتي، ولن تعود أبدًا كما كانت". 

 

الزراعة بديلًا عن هوس الكورسات

حالة من اللهث وراء الكورسات وتدريبات الأونلاين، القراءة ومشاهدة الأفلام، قوائم كثيرة كانت تتابعها آية عبر فيسبوك، وسيلة التواصل الوحيدة في أيام الكورانتينا، كوسيلة لجئوا إليها للتخفيف من اكتئاب الحظر وقلق الإصابة بكورونا أو قلق العزلة، الذي أصابها ولم يفلح سوى اللون الأخضر في شفائها منه: "اللون الأخضر ملهم بالنسبة لي، اخترت البطاطا كأول نبتة أزرعها لي في الحجر الصحي"، تتحدث آية محمد، 26 عامًا، عما فعله بها زمن الكورونا في شتاء القاهرة، الذي كان طويلًا هذا العام على غير العادة، فقد استمر احساسها ببرودة الجو حتى انتصاف مايو، نسمات الصقيع الصباحية تصل إلى غرفتها فتغريها برائحة البطاطا، رائحة الدفء القديمة في منزل عائلتها القديم. 

 

لم تكن قد تعلمت شيئًا عن الزراعة في حياتها، لكنها الآن سوف تبدأ فالفراغ قاتل، لتقتله هي بالبحث. ساعدها جوجل ويوتيوب في البداية، نصف زجاجة بلاستيكية وضعت بها البذور مغروسة في بعض الطين، ثم تابعت نبتتها ووالتها بالاهتمام والرعاية، تسقى كل يومين، فالماء الكثير يفسد الزرع، تجربة آية نقلتها لكثيرات عبر صفحتها الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، حتى لا تفسدهم كثرة الكورسات.

 

خليك بالبيت خليك بخير للجميع إلا ياسمين

سويا في المنزل، منذ قرابة ثلاثة عشر عامًا، لم يجتمعا معًا في مكان، ربما أسبوع المصيف كل عام. حالة من الانفصال الإكلينيكي كما تسميها ياسمين، المرأة التي قاربت على الأربعين وتعيش معزولة منذ سنوات عديدة، عزلت نفسها عن الجميع مع ابنيها قبل أن يعزل كورونا العالم، كانت تكتفي بمتابعة تطورات دراستهما، تحكي عن ذكرياتها وتجيب عن أسئلتهم، تناقشهم فيما يجب وما لا يستحب، أما الأب فقد عزل نفسه هو الآخر في العمل، أي اقتراب بين جهتي العزل، كان دومًا ينتهي بمشكلة تتصاعد نحو انفصال ترنو إليه نفسها، لكنها تتمسك بآخر خيط يمسك بالطفلين، ثم أتت كورونا وعاد الغريب إلى المنزل، لتستجيب الأسرة سويًا لتوجيهات الحظر": ابقوا بالمنزل... ابقوا بأمان"، لكن في منزل ياسمين لا أمان في العزل الأسري.

 

مرت الأيام ثقيلة على الجميع، في البدء الأطفال لم يعتادوا على هذا التباعد الاجتماعي، الذي جعلهم متقاربين مع أبيهم، وزوجة كانت اعتادت على التباعد، فلماذا تفرض الكورونا عليها تقاربًا لا تريده؟ ثم بدأ التغيير، استيقظت ذات يوم على رائحة قهوتها الصباحية تداعب أنفها، بدأت عيناها تستجيب للرائحة ففوجئت بزوجها ممسكًا بكوبها المفضل، وقد تصاعد منه دخان القهوة، ومعه طبق يحمل فطورها المفضل بسندوتش الجبنة الساخن، هل لا يزال يتذكر تفضيلاتها في الفطور؟ لم تسأل فقط ابتسمت، وأجابت عن صباحه بالخير والنور الذي كانت تتردد في نطقه، لم تتخيل ياسمين أن تغييرًا سوف يحدث بعد مرور الشهر الأول من العزل المنزلي والتواجد المستمر لزوجها في المنزل، لكن المعجزة قد تحققت: "منحتنا الكورونا ما فشل فيه أخصائي العلاقات الأسرية وطبيب نفسي، وحكم من أهله وحكم من أهلها، كان للكورونا أثر السحر على أسرتي، فقد عدنا أسرة من جديد"، في الشهور المتبقية من الحجر الصحي، تغيرت أحوال بيت ياسمين، تعود الطفلان على مشاركة الأب في أنشطة تجمعهم كل يوم، أعادوا ترتيب المنزل وتسوية الحديقة، جمعتهم طاولة واحدة للفطور والغداء، كانت المرة الأولى التي يساعدها فيها بطهي الطعام، فقد تعبت من تحضير الإفطار الرمضاني كل يوم، كانت تسمعه يتحدث عنها بامتنان، مقدرًا لجهودها مع الأبناء، بعد خمسة أعوام توقفت فيها عن تناول السكر، عرف زوجها أخيرًا لماذا لا تشرب الشاي الذي يعده لها أحيانًا، فتوقف عن وضعه في الشاي، وغمر حياتها بالسكر. 

 

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري