Miraa Images

لرضاعة: كثير من الحب يتدفق مع الحليب

Article Details

لرضاعة: كثير من الحب يتدفق مع الحليب

رت شاكرة لوجود صغيرتي وصرت أنتظر موعد الرضعة لأختبر هذا الشعور العجيب.


لم أكن أريد التورط في علاقة لا فُكاك منها. لم أكن أريد مقايضة حريتي بالأمومة، كنت أخاف المسؤولية. أخاف الحب الذي لا يترك لك من أمرك شيئًا. كنت أظن أنني لا أملك ما يكفي من الإيثار والتضحية لأمارس أمومتي حتى جاءت “ديما” وقلبت عالمي رأسًا على عقب.

حملتُ بها رغم أنف مخاوفي و وسيلة منع الحمل، وأخذت وقتًا حتى أستوعب الأمر وأتقبله. كنت أراقب بطني المنتفخة كل يوم وأفكر أن ما يتمدد بداخلها هو الخوف، وأنني لن ألد مثلما تلد النساء بل سأنفجر.

وأخلفت ديما ظنوني، وخرجت للعالم في هدوء، بينما أرقد على سرير المستشفى وأتبادل المزاح مع طبيبي. جاءت لعالمنا القبيح بوجونها الممتلئة وشفاهها الحمراء تبشر بالبهجة.

في أول تعارف بيننا، وضعوها بين يدي لأطعمها. لم أكن أعرف ماذا أفعل. كنت أشعر بالوهن والارتباك وأظن أنها كانت مثلي. لا تعرف أن هذا الثدي سيكون مصدر غذائها الوحيد لثلاثة أشهر قادمة. وبعدما فشلت المحاولة الأولى أخذوها إلى الحضّانة لإعطائها رضعة.

وفي موعد الرضعة التالية، كنت حصلت على بعض الراحة. أعطوها لي وقالوا أنهم لن يعطوها المزيد من الرضعات. نظرت لها برجاء وعينيّا تقولان “هيا بنا نفعلها”.

التقطت ثديي بشفاهها وبدأت ترتشف منه بينما يقشعر جسدي؛ أشعر بقليل من الألم وكثير من الحب يتدفق إليها مع الحليب. لم يستغرق الأمر دقيقة حتى ارتخت جفونها وعلت وجهها ابتسامة ملائكية. ظللت أتأملها حتى شعرت بقلبي يفيض حبًا ويغمر الغرفة.

صرت أنتظر موعد الرضعة لأختبر هذا الشعور العجيب، وأراقب بعدها انسحابها الفاتن إلى عالم الملائكة.

اعتاد جسدي على الاستيقاظ كل ساعتين بأعين مثقلة بالنعاس لأرضعها وكلتنا مغمضة العينين ثم نعود لإغمائتنا من جديد.

وفي الفترات التي نستيقظ فيها، أتناول الكثير من مشروب الحلبة الممزوج بالعسل الأسود، والأقراص المُدرة للبن والحلاوة الطحينية، وأحشر في فمي الكثير من الخضروات والبروتين ومنتجات الألبان حتى تحصل “الهانم” على وجبتها.

وبعد كل هذا المجهود كانت تتقيء عقب كل رضعة. فذهبنا إلى الطبيب وأخبرني أنني لا أرضعها بشكل صحيح، وعرفني على وضعية الرضاعة السليمة حتى يتوقف الارتجاع ولا يسقط اللبن في أذنها، وكيف أجعلها تستفاد من العناصر المُغذية التي يحملها اللبن بعد أول خمس دقائق في الرضاعة.

تفاصيل كثيرة كانت غائبة عني قبل أن أعيش تجربة الرضاعة. لم أعرف مثلاً في أول مرة غبت عنها، أنني سأعود للمنزل سريعًا، ليس بفعل الشوق ولكن لأن اللبن ملأ صدري وفاض على ملابسي، وامتلأت وقتها أكثر بإحساس أننا صرنا واحدًا لا يمكن أن ننفصل.

أغرمت بذلك الإحساس وارتعبت منه في الوقت نفسه حين لم أجد إجابة على سؤال: كيف سأعمل أمًا وصحافية بدوام كامل؟ ماذا عن خطط السفر ومشاهدة أفلام السينما وكل تلك الأشياء التي لن أستطيع فعلها؟!

وتحققت مخاوفي مع عروض العمل والسفر التي رفضتها لأكون حيث تحتاجني صغيرتي.

بعد ثلاثة أشهر، اضطررت لإدخال اللبن الصناعي إلى جانب الرضاعة الطبيعية، فكانت تستيقظ عند الفجر تبكي جوعًا لساعات متواصلة ولم يكن لبني يكفيها. في البداية أعطيتها رضعتين يوميًا من اللبن الصناعي. لم تكن تحتاج معه إلى بذل مجهود في الرضاعة ومع الوقت صارت ترفض ثديي حتى قل اللبن فيه وتوقف بعد نحو شهر.

حزنت من أجلها، وافتقدت ذلك الشعور المُدغدغ وتلك الحميمية. وأعترف أنني شعرت أيضًا بالتحرر، وهو شعور ألوم نفسي عليه بقدر ما أستمتع بممارسته.

أصبحت أغيب لساعات أطول من أجل العمل أو حتى التسكع برفقة أصدقائي، وهو ما جعلني أقل تذمرًا من جلوسي الطوعي في المنزل. ساعدني على ذلك أيضًا عودتي للعمل كصحافية مستقلة وتحقيق بعض الإنجازات الصغيرة.

منحني التوازن بين العناية بفتاتي والسعي وراء أحلامي الرضا والسلام. وأدركت أن نجاحي في إضحاك ديما أثمن من أي نجاح في عملي، لكنه لا يغني عنه. وأن حضنها أجمل من أي مكان سأسافر إليه يومًا. صرت شاكرة لوجودها الذي كنت أرفضه. بل شاكرة لكل نفس تتنفسه سليمة معافية، ممتنة لكل الحب الذي تغمرني به، ولعيونها التي تلمع من أجلي. لالتصاقها بحضني كأنه حصن النجاة الوحيد.

ومع اقتراب ديما من إتمام عامها الأول، أشعر بالفخر لأن صغيرتي تعلمت أن تصفق وتلوح بيدها إشارة الوداع (الباي) وتفاجئني كل يوم بحركة جديدة تخطف قلبي. وممتنة أننا اجتزنا معًا رحلة الأمومة حتى الآن من دون إخفاقات إلا أن هذا لا يمنع شعوري الدائم بالذنب والتساؤل: هل أنا أم جيدة؟ وأظن أن هذه متلازمة تصاب بها كل الأمهات.

 

AddThis is disabled because of cookie consent

Miraa Divider
Subscribe Now

أحــــدث الــــــمـقـالات 

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري