Miraa Images

عندكم دوبامين؟

Article Details

عندكم دوبامين؟

سألنا بعض النساء عن سبب تشككهن في التنجيم.

AddThis is disabled because of cookie consent

تحدثت في مقال سابق عن ظاهرة التنجيم وأسباب التصديق بها، وأثناء كتابتي تذكرت قصة جميلة: كانت بعض المجتمعات البشرية قبل آلاف السنين تعتقد أن الآلهة تعيش في الشجر، وكانت تعتقد أنها تستطيع التواصل مع الآلهة مباشرةً في أي وقتٍ تريد. فيذهب شاب حالم ليشارك أحلامه وآماله مع الإله، أو ليسأل نجاته من خطر مقبل. ربما يتحدث إليه قليلاً، ثم يطرق على الشجرة بضع طرقات من باب التأكيد على جديته في هذه الطلبات. قصة أخرى تقول: إن للخشب رمزية مقدسة عند المجتمعات المسيحية، تيمنًا بخشب الصليب، فكان الناس يطرقون على الخشب عند حدوث أمر سيء، لمناجاة الله أن يرأف بهم.

قد تبدو لك هذه الطقوس الآن بعيدة جدًا عن معتقداتنا الشخصية الحالية في بيئة مسلمة على سبيل المثال، لكن بعضنا ما يزال يطرق على الخشب عند ذكر أمر سيء، دون معرفة سبب ما نفعله أو أصل هذا الطقس. هناك الكثير من الممارسات التي نقوم بها بشكل تلقائي دون الوقوف لحظة للتفكير في أسبابها. وهذا أمر طبيعي بالنسبة لنا ككائنات اجتماعية بارعة جدًا في ملاحظة تصرفات الآخرين من حولنا ونسخها للحفاظ على بقائنا. في نهاية المطاف، لدينا نوع متخصص من الخلايا العصبية الناسخة، وظيفته تقليد الآخرين، لكن ضمن التصرفات التي تأتي بها هذه الخصائص التي نجحت في الحفاظ على بقائنا، فثمة بعض الآثار الجانبية، مثل النقر على الخشب بشكل تلقائي.

كان للنجوم والكواكب دور جوهري في حياتنا، وهي ما زالت مهمة إلى يومنا هذا، فلولا انفجار مستعر أعظم قبل أكثر من ستة مليارات عام، لما تناثرت مكوناته في الأنحاء ولما تجمعت هذه المكونات بسبب الجاذبية. مشكلة السدم العظيمة التي استمرت بالانجذاب نحو بعضها مكونة في مجموعتنا الشمسية، ثم كوكبنا، ثم نحن. ولولا الجاذبية الكبيرة لكوكب المشتري مثلاً، لكنا عرضة لعدد كبير من النيازك والكويكبات التي قد تهدد الحياة على كوكبنا. لكن إن نظرت إلى الأمر من ناحية فيزيائية، من كوكب الأرض مثلاً، ستبدو لك النجوم مرتبة بشكل معين بسبب موقعك، حيث اصطفاف مجموعة من النجوم أمامنا ليس إلا ظاهرة بصرية مرتبطة سببيًا بموقعك هنا، الأرض. لو استطعت أن تسافر إلى كوكب بعيد وتشاهد النجوم من هناك، فإنك قد لا ترى هذا الاصطفاف، بل ستظهر لك النجوم مرتبة بطريقة مختلفة تمامًا. نحن محظوظون اليوم بكوننا نعيش في مكان يختلف كثيرًا عن الماضي، فنحن اليوم نفهم الطبيعة أكثر ونستطيع دراسة الطقس والجيولوجيا وفهم أسباب الظواهر الطبيعية المختلفة من حولنا دون الحاجة لمناجاة إشارات من النجوم. رغم أننا قد ننظر للنجوم الآن، لكن لأسباب مختلفة جدًا عن تلك التي كانت عند أجدادنا. وهي ستبقى دائمًا مشهدًا بهيًا ساحرًا يملؤنا بالأسئلة عن وجودنا.  

سألت بعض الفتيات المشككات في التنجيم عن سبب ذلك، تقول تقوى فرارجة (22 عاما): “أعدّ علم التنجيم ليس سوى مزيج من الدراما والتنمية البشرية الكاذبة، بالإضافة إلى أنه شماعة مناسبة لنعلق عليها سوء حظنا و أخطاءنا وتبعات قراراتنا في الحياة. مواقع النجوم لا تؤثر على شخصياتنا، بل وإن بيئتنا وظروفها وما نتعرض له كل يوم هو ما يفعل ذلك. أنا أفضل النهوض من مكاني والعمل على ما أريد، بدلاً من الجلوس في البيت وانتظار بشرى من المنجمين.”

أما بيلسان جهاد (23 عامًا) فتقول: “أنا وأمي من البرج نفسه، ولكننا نختلف تمامًا في أغلب جوانب شخصياتنا وصفاتها. لم أجد تنبؤا شخصي دقيق عن ما قد يحصل معي في المستقبل القريب، أعتقد أن بعضنا يؤمن بالتنجيم لأننا نخدع أنفسنا، فنركز على الصفات والتنبؤات الصحيحة بينما نتجاهل التنبؤات التي لا تحدث، فيهيّأ لنا أن التنجيم يعطي نتائج حقيقية، وهذا بسبب الانحيازات التي يمارسها دماغنا دون وعي منا. ناهيك عن أن الصفات والتنبؤات تكون دائمًا عامة جدًا وتنطبق على أغلب الناس.

تنبؤات الأبراج تبدو دقيقة، لأنها فعلاً دقيقة وجذابة لنا جميعًا. من منا لا يحب أن يمتلك صفات دراماتيكية ساحرة كبطلة من فيلم! عندما يخبرني أحد بكوني طيبة القلب مرهفة الإحساس، أو بكوني أخشى من التغيير، لأني من برج الحوت، فإن دماغي يفرز هرمون الدوبامين ويشعرني بالسعادة. وهنا يلعب المنجم على عنصرين: عنصر الدوبامين الذي سيفرزه دماغي عندما يبدأ بالحديث عني بصورة شخصية، بغض النظر عن المضمون (في أغلب الأحيان يكون الوصف لطيف وإيجابي).

عنصر الدقة الذي يوهمنا المنجم بامتلاكه، عندما يقدم صفات عامة، آتٍ من أن هذه الصفات تتسم بها الأغلبية العظمى من البشر، فيصبح التصديق مغريًا مثل مكافأة، خاصةً عندما أركز على حقيقة أن صديقًا قديمًا قد كلمني بعد انقطاع طويل في الأسبوع نفسه الذي قال لي فيه المنجم أن شيئًا قديمًا سيظهر من جديد، فأمارس مغالطاتي المنطقية بدون تأنيب ضمير، وأصدق أن الحدثين فعلاً مرتبطان. ورغم أني أمارس طقوس جلد الذات واستحضار الماضي يوميًا، إلا أنني أركز على ذلك الحدث العشوائي الصغير لأنني أريد ذلك، ولأنني أريد بعضًا من الدوبامين. الدوبامين مكافأة أكبر من أن أكون شخصًا عاديًا مثل جميع البشر، وتكون حياتي عادية مثل جميع البشر، وألا أكون مميزة كثيراً مثلما يظن دماغي عاشق الدوبامين. لذلك ينتصر الدوبامين.

في النهاية، علي أن أذكر تأثير “قوة الاقتراح”، وهي ظاهرة مثيرة للاهتمام، فقد يعمل تصديقنا للتنجيم تمامًا كما يعمل التنويم المغناطيسي وتجارب الأحلام الواعية، إذ أن الدماغ في كثير من الأوقات يغير مشاعرنا وأفكارنا وتصرفاتنا بطريقة تتماشى مع ما هو متوقع منا من قبل الأشخاص من حولنا. عندما يقول المنجم أن المنتمين إلى برج الحمل سريعوا الغضب، فإن اقتراحًا كهذا قد يعلق في ذهني ويؤثر على تصرفاتي في المرة القادمة التي أتعرض فيها لموقف مستفز، ليؤثر ذلك على تصرفاتي وأغضب سريعًا، فتحقق النبوءةُ نفسَها.

AddThis is disabled because of cookie consent

Miraa Divider
Subscribe Now

أحــــدث الــــــمـقـالات 

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري