JPEG - depot vente thumbnail.jpg

محلّات البالة في بيروت: ثورة على التنميط!

Article Details

محلّات البالة في بيروت: ثورة على التنميط!

اللبسة المستعملة ليست ثياب "الفقراء" ولا ثياب "وسخة".

تصوير بشار سرور لويس سمراني، وطارق دكّاش
تصميم سارة صالح وآية بردى

المتجر صغير وضيّق، داكن لكن مضاء بأشرطةٍ ملوّنةٍ معلّقة على الحائط. الثياب معروضة بأشكالٍ هندسية غير متناسقة، لكن يمكنك التنقّل بينها براحةٍ تامّة. نساءٌ من جميع الأعمار والفئات يتنقّلن بالممرات الضيّقة بين الثياب الشتويّة الّتي تعطي شعور بالدفئ المعمم على المتجر في حين انّ موسيقى تصدر عن راديو "نوستالجي – Nostalgie" تتداخل مع دردشات النساء حول قطعةٍ معيّنة. لا توجد قطعة تشبه الأخرى! لم أتوقّع أن أجد هذه التشكيلة الكبيرة من الألبسة الشتويّة في متجر البالة البيروتي المعروف بDepot Vente.

 

 

بالرّغم من كثرة المفاهيم الخاطئة تجاه الالبسة المستعملة، بدأت هذه الحواجز تتكسّر اليوم عند عدد كبير من النساء اللبنانيّات. في حين انّ التبضّع من محلّات البالة كان يسبب بخجل للعديد، تحوّل هذا الفعل اليوم الى تصرّف طبيعي و"عادي" خصوصاً مع موجة محلّات البالة الّتي انطلقت وتكاثرت بوقتٍ قصيرٍ جداً. Depot Vente هو واحد من متاجر البسة البالة العديدة الّتي اجتاحت العاصمة اللبنانيّة خارج الأحياء الشعبيّة. وأبرز ما عززّه هذا المتجر وغيره من محال البالة هو انّ الثياب المستعملة ليست ثياب "وسخة" ولا ثياب "الفقراء"!

 

 

بحسب نوال، مالكة متجر Depot Vente  فإنّ "موضوع تمدد موضة الثياب المستعملة ليس محلّي فقط، بل عالمي امتدّ الى المنطقة كجزء من الموضة الجديدة العالميّة. كما انّ العديد من النساء يقاطعون اليوم المتاجر والماركات العالميّة الكبيرة بالاضافة الى الإنتاج الضخم. فاليوم، وعالمياً، هناك قطع لم أعد باستطاعتي ان اجدها، مثل جاكيت جلد من فترة الثمانينات!" وتضيف الى انّ جائحة كورونا غيّرت بالعديد من العادات الاستهلاكيّة حيث أصبح هناك وعي أكبر تجاه البيئة والاستهلاك بشكلٍ عامّ واهميّة تدوير الملابس. بحسب مقال نشر في Huffington Post " إنّ البضائع التي لم يتم إعادة تدويرها أو إعادة استخدامها تترجم إلى حوالي 88 مليار دولاراً من الخسائر!" أمّا موقع ThreadUp، فيشير من خلال دراسةٍ قام بها انّه "إذا اشترى كل شخص أشياء مستعملة لمدة عام كامل ، فسوف يوفر ما يكفي من المياه لتزويد كاليفورنيا لمدة 14 عامًا!".

 

 

سينتيا شابّة تبلغ من العمر 23 سنة، تعمل في مجال السينما والكتابة. بدأت سينتيا بارتداء الثياب المستعملة منذ حوالي ثلاث سنوات، وقاطعت تماماً المنتجات الناتجة عن الشركات الضخمة منذ سنتين. "لجأت الى الملابس المستعملة لأنني كنت أجد قطعاً مميزة جداً في محلّات البالة ومحال الثياب المستعملة. كما أنّ جسدي، كأجساد معظم النساء، لا يشبه ولا يتطابق مع كلّ ما تنتجه هذه الشركات. فكنت دائماً اواجه مشكلة في ايجاد ما يناسبني، كما كنت دائماً اضطرّ ان أعدّل بالبنطلونات بعد ان اشتريها حتّى بات الامر مزعجاً جداً الى أن اكتشفت انّ جميع البنطلونات المستعملة والقديمة تناسبني تماماً!" 

بدأت نوال بمشروع Depot Vente كمجرّد هواية. كانت تجمّع القطع المستعملة والّتي كانت تلفتها بشكلٍ كبير، وبعد فترةٍ قررت عرضها بمتجر صغير في منطقة مار مخايل في بيروت منذ حوالي عشر سنوات. "ظننت انه لن يزورني اي شخص، لكن بدأ الناس بزيارة المتجر ويلاحظون أن القطع الموجودة في المحلّ منتقاة بعناية من ناحية الجودة والشكل والسعر. ثمّ بدأت بزيارة المعارض بفرنسا وبلجيكا وصرت اشتري من هناك".

خلال زيارتي لنوال في متجرها في بيروت التقيت بإميلي وهي مديرة قسم الموضة في جامعة الالبا في بيروت. جلسنا في الباحة الخارجيّة للمتجر في حين انّ عدد كبير من الزبائن يتجوّلن داخل المتجر ثمّ يخرجن لسؤالنا عن رأينا بقطعةٍ وإن كنّا نفضّلها عن أخرى شبيهة بها. هذا التفاعل الواقعي والخاصّ لا نجده الّا في محلّات البالة! تقول اميلي "ما يحدث امامي في Depot Vente هو انفجار للأفكار المتجددة والمبدعة للشباب في عالم الموضة بسبب تميّز القطع واختلافها والاهتمام بالتجديد. هو مثال عن عدّة أماكن اخرى تنفجر فيها الروح الخلّاقة والابداعيّة خارج عن التنميط الّذي ينتج عن شركات الموضة العالميّة. كما أن متاجر البالة هي مساحة للجيل الجديد من النساء للتجربة وخلق هوياتهم الشخصية الخارجة عن تجارب تعليب الأفكار الّتي مررن بها!"

بالفعل، تؤكّد سينتيا على رؤية اميلي "تدريجياً، بدأت بإيجاد أناقتي الخاصّة البعيدة عن النمطيّة. فقد أصبح "الشوبينغ" بالنسبة اليّ اكثر متعةً وراحةً! بالاضافة الى انّه أرخص بكثير! اليوم لا أملك سوى الثياب المستعملة ومن كلّ أنحاء العالم! في لبنان هناك العديد من محلّات البالة الّتي أزورها. فالثياب المستعملة تجعلك تعبّر عمّا تشعر به. عندما استيقظ صباحاً واختار ثياب النهار، أريد أن أبدو كما أشعر اليوم بالذّات، ولا يمكنني أن افعل هذا الّا من خلال الملابس المستعملة لانّها تصبح لغةً! كلّ قطعة لا يوجد منها اثنين، ولا نعرف ماذا تحمل من تاريخ، فتصبح مثيرة للاهتمام وليست "عاديّة"."

 

 

ربّما ما تحمله القطع من قصصٍ وخبايا هي من أكثر ما يدفع بالنساء الى اللّجوء إلى الثياب المستخدمة والقديمة. هناك اهتمام كبير بقصّة كلّ قطعة من هذه الثياب. اضافةً الى ذلك، مجرّد التفكير بأننا نؤمّن استمراريّة حياة قطعة هي فكرة مثيرة للاهتمام وتجعل القطة الّتي نرتديها أكثر تمايزاً وأهمية. كلّ قطعة نرتديها من محلّات البالة والثياب المستخدمة هي قطعة تحمل تاريخاً وأحداثاً وقصصاً أقدم منّا ونصبح نحن مسؤولين عن إحياء هذا التاريخ وقصصه. 

هذا ما تؤكّد عليه نوال "الثياب الّتي نرتديها هي ايضاً تشبه وترتبط ببعض المراحل بحياتنا. وهذا ما يوطّد علاقة النساء بالثياب المستخدمة. هناك قطع تذكّرنا بأشياء جميلة في حياتنا لا نجدها اليوم في المحال التجارية الواسعة. انا اعيش المراحل بثيابي عندما البس من الثمانينات اشعر براحةٍ تامّة. لا يمكن أن نعرف ما هي المرحلة الّتي نمرّ بها اليوم كنساء لكنني اظنّ اننا سنعود وننظر اليها كثورة جميلة عشناها سوياً كنساء!"

الثياب المستعملة مليئة بالحياة وتحمل معها تفاصيل خاصّة وشخصيّة جداً. "بعدين ما بدي الكلّ يكون شكلو متل ما بعضو بدي كلّ شخص يكون عندو هويتو واهتماماتو ويكون عندو الثقة الكافية بنفسو ليكون شو ما بدو يكون وما في شي بيفتح هذا المجال الا محلّات البالة" تقول نوال. امّا اميلي فهي تتمنّى "ان يعيش هذا الارتباط بالملابس المستخدمة مطوّلاً، القائم على اهميّة نوعية القطعة وليس كميّة الملابس الّتي نشتريها وان لا يمرّ كمجرّد موضة اجتاحت العالم ومن ضمن ذلك، لبنان".

 

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري