Articles Banner

شعرك الزائد ليس جريمة… إن أزلتيه وإن بقى

Article Details

شعرك الزائد ليس جريمة… إن أزلتيه وإن بقى

للحرية الشخصية وجوه كثيرة، لا يعززها وجود الشعر ولا تمنعها إزالته

تلك فتاة سمينة، وهذه نحيفة جداً، أما الأخرى فترتدي نظارات لضعف نظرها، وعلى عكسها صديقتها، عيناها واسعتين حد الجحوظ. في مصر، تبقى المرأة دوماً في خانة التقييم، سواء من الذكور، أو من غيرها من النساء. تلك الخانة التى لا تخرج منها أبداً صاحبات الشعر الزائد، اللاتي قُدر لهن أن يحتل الشعر الزائد أماكن ظاهرة على وجوههن أو أجسادهن، فصرن في دائرة الألم لا يغادرونها سواء أزالوه أم بقى متحدياً نظرات المجتمع.

تعاني الفتيات في مصر حالة من التنمر، تظهر جلية مع كل استخدام لحريتها الشخصية، حتى وإن كانت تلك الحرية هي في الإبقاء على شعر جسدها دون إزالته أو تلوينه بلون أفتح من طبيعته، اتقاء للنظرات والكلمات المسمومة بغض النظر عن الاختيار الشخصي… كما لو أن ذلك سوف يساعد المرأة أن تسلم من نقد المجتمع.

مؤخراً صارت موجة جديدة بين الداعيات للحريات النسوية، بترك شعر الجسد واعتياد تقبل المرأة لجسدها وشكلها مهما كان. عبر صفحة “ثورة البنات”، نادت الناشطة النسوية غدير أحمد، بعدم إزالة شعر الجسم للفتيات، وأن يكون شعر الوجه والجسم سبباً لفخر الفتاة و ليس سبباً في عزلتها واكتئابها. إيناس (20 عام)، كانت من متابعات غدير، ترسخت أفكارها بعقلها ولم تعد الفتاة العشرينية تتأذى من شعر وجهها أو ذراعها أو ساقها. تركت إيناس عقلها ينمو، وكذلك شعرها “رفضت تماماً فكرة إني أشيل شعر جسمي أو وجهي كي يرانى الناس جميلة. أنا جميلة وعلى الجميع أن يرانى كما أنا وليس كما يريدون”، تحكي إيناس عن تجربتها في إزالة شعر وجهها وجسدها، وحجم الألم الذي عانته في نظير خمسة عشر يوماً من النعومة، وكان عليها أن تعيد الكرة، كي تضمن إحساساً مستمراً “اكتفيت من الألم والعذاب الشهري، يكفينا بلاء الدورة الشهرية، فهل نؤلم أنفسنا بأنفسنا كي يرضى عنا المجتمع؟”

امتنعت إيناس عن الإزالة التامة بالطرق التقليدية أو حتى اللجوء لليزر، لكنها اختارت أن تخضع لحلاً وسطاً “شقرت شهر وجهي وذراعي وساقيّ، وهذا أراحني نفسياً من الألم، وفي نفس الوقت أصبحت أرى نفسي أجمل كلما نظرت للمرآة، ولن أتألم من أجل المجتمع مرة أخرى”.

وبكمية من بودرة التفتيح المخصصة لشعر الوجه والجسم، مضافاً إليها قليل من ماء الأكسجين “البروكسيد”، يتم عمل خليط يوضع على بشرة الوجه لتفتيح لون الشعر، تترك الخلطة على الوجه لمدة تتراوح من عشرة لخمس عشرة دقيقة حتى لا تتسبب في تهييج البشرة. قرأت أميرة (28 عام) طريقة صنع البودرة عدة مرات على الكيس المغلق قبل فتحه و إعداده، التزمت بالتعليمات حتى لا تتعرض لالتهاب جديد، تبقى آثاره على بشرتها بديلاً عن أثر الشعر لسنوات طوال. التزمت أميرة بتعليمات والدتها بعدم إزالة شعر وجهها، “الفتاة قبل الزواج لا يحق لها أن تنعم ببشرة خالية من الشعر” أي أن حقها في اتخاذ القرارات الخاصة بها يسلب منها دون توضيح منطقي.

أول مواجهة لها مع إزالة شعر وجهها بالطريقة المعتادة في أغلب صالونات التجميل في مصر، نزعت أميرة شعر وجهها بالفتلة (الخيط) قبل زفافها بيومان، وحدث مالم تتوقعه أميرة ولا أمها، التهبت بشرتها وامتلأت بالبثور والحبوب، ولم تفلح المضادات الحيوية القوية في إزالتها. استمرت رحلة العلاج 6 أشهر بعد زواجها لإزالة آثار المرة الأولى، طُلقت أميرة بعد عام ونصف، وقد تعلمت أن الزواج لا يفيد وكذلك الفتلة.

لم تتقبل أميرة لون شعر وجهها الغامق، رغم عدم كثافته. إزالتها له في البداية كلفتها علاجاً استمر فترة طويلة، لكن تلك الفترة لم تجعلها تتقبله أيضاً “المشكلة مش فيّ، لكن في الناس اللي بتركز في وشوشنا، كأننا عملنا جريمة إننا سايبين شعر في وشنا”. “عشان الناس”، الجملة التي تقولها أميرة كل مرة وهي تفعل ما لا تحبه لكنه “يعجب الناس”. كما يقول المثل الشعبي الشهير”كل اللي يعجبك والبس اللي يعجب الناس”، لكنها في النهاية تعلم أنها لن ترضي كل الناس، ففي كل مرة تشقر شعر وجهها، رغم ألم الحرق بالأكسجين الذي تتحمله لخاطر الآخرين، يأتيها السؤال “طب ما تشيليه أحسن”.

وكثرة استخدام الشمع والحلاوة التقليدية في إزالة شعر الوجه يمنح البشرة مظهراً مترهلاً مع المداومة على الاستخدام، مما يجعل شكل الوجه “غير مستحب”، هذا ما حدث مع والدة هدى، (26 عام)، كبرت الفتاة وهي ترى أمها تستخدم السكر والليمون مرة كل شهر لإزالة شعر وجهها وجسدها. كان وجه الأم لامعاً وناعماً دوماً، لكنه كذلك أصبح يشبه “حبة البطاطس”، كما يصفه والد هدى. لم ترد هدى أن تصبح كالبطاطس و تعلمت أن رغم ألم والدتها وتضحيتها بجلد وجهها المشدود، إلا أنها لم تنل رضا زوجها، الغاية التى شدت لها أمها رحالها طيلة ثلاثون عاماً، هى عمر الزواج، لم تسلم الأم من سخرية الأب، ولم تسلم الإبنة من مشاكل نفسية زرعها كلام الأب”مش عاوزة حد يتجوزني ويعايرني في يوم من الأيام إنى بقيت شبه البطاطس”، تبحث هدى عبر الانترنت عن تجارب إزالة الشعر بالليزر، لكنها تفاجأت بارتفاع ثمن جلساته عن قدرتها، وهي التي تؤمن بالمقولة الشهيرة “إن غلا عليا شيئاً تركته”. تركت هدى الليزر، وقررت أن تعطى وجهها فرصة أخرى و تتركه يبدو غالياً.

مهمة شهرية ثقيلة، كانت تخضع لها نورهان كل شهر، بعد انتهاء أيام دورتها الشهرية، إزالة شعر يديها وساقيها، ومعهم تزجيج حاجبيها، فقد”أهداها الله” بشرة ذات شعر خفيف، لكن “الحلو ما يكملش”. تخرجت نورهان من كلية الهندسة، وكانت طيلة فترة الكلية تحاول جاهدة أن تحافظ على أنوثتها المبنية اجتماعياً، رغم انشغالها المستمر، فالتمييز الجنسي والسخرية النمطية من “رجولة” طالبات هندسة هي أول ما يتبادر لأذهان من تقابلهم “أول ما حد بيعرف إني في هندسة ألاقيه بيبص على شنبي وشعر إيدي. بقيت تلقائياً بلبس كم طويل وأزيل شعر إيدي بانتظام”. لظروف عملية جراحية، اضطرت نورهان ذات مرة أن تتوقف عن عادتها الشهرية لثلاث مرات متتالية، تعرضت فيهم لحملة شرسة من سخرية زملائها وزميلاتها “كانوا بيتريقوا عليا قدامي ومن ورايا وأنا مش فاهمة هما بيستفيدوا ايه، سواء شلت شعري أو خليته. من وقتها قررت إني مش هشيل الشعر عشان الناس، بالعكس بقيت ألبس نص كم وأنا مش عاملة إيدي و مبقاش يهمنى حد”.

حديث “لعن الله النامصة والمتنمصة، والواصلة والمستوصلة”، هكذا تربت إيمان (22 عام) في بيت ملتزم، تصلي فيه الأم فرضها، ويقيم الأب ليله، ويصوم الابن معظم عمره، وتمتنع الإبنة عن إزالة شعر وجهها وجسدها وتهذيب حاجبيها. القرار الذي جُبلت عليه إيمان لم يكن بإرادتها كلياً، لكنها خضعت بحاجبيها وامتنعت عن تزجيجها. لكن التزام إيمان بتعاليم الدين، التي استقتها من عائلتها، لم يجعلها تتقبل خلقة الله، وما أحسن من الله خلقه، فاضطرتها عيون الناس التي تخترق خمارها، لأن تبحث عن وسيلة تخفف بها شعر وجهها، وإلا لن يكون أمامها سوى خيار واحد؛ النقاب.

جربت إيمان تفتيح شعر وجهها، و التزمت بتعليمات الاستخدام، فهي تجيد الطاعة وتقدس الالتزام. التهبت بشرتها قليلاً فلم تهتم، فساءت الأمور وحبست نفسها بالمنزل حتى عالجت ما أصابت، لئلا يسألها أحد عن سبب الالتهاب، فتضطر أن تبوح لهم بما فعلته، وتنهار في أعينهم صورة الفتاة الملتزمة. حافظت العشرينية الصغيرة على سرها، وقررت أن تقبل بالنقاب، عوضاً عن إزالة شعر وجهها.

وفي حين تتابع سها (25 عام) أخبار الفنانين الأجانب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تستهويها صورهم وطريقة حياتهم وتتساءل كثيراً، كيف يمكن أن يوصفن بالجمال وهم لا يزيلون شعرهم، ويلتقط معظمهن الصور وهن يفتخرن بشعر إبطهن وذراعهن. إلى أنها أدركت أنه لا يجب أن نضغط على أنفسنا للقيام بأشياء خارج اختيارنا الشخصي. وفي إحدى المرات فكرت أن تلتقط صورة مثلهن، لكنها تراجعت: “الستات قبل الرجالة هتتريق عليا، وهيشتموني ويقولوا عني إني مش نضيفة”. تنازلت سهى عن التقاط الصورة ونشرها، لكنها لم تتنازل عن متعة تجربة الحياة مثل الأجنبيات: “مش بشيل شعر جسمي أو وجهي غير لما أحس إني عاوزة أعمل كده، مش عشان أبقى جميلة. لو حد هيحكم عليا عشان كام شعرة في وشي أو جسمى يبقى مش عاوزة أعرفه أصلاً”.

للحرية الشخصية وجوه كثيرة، لا يعززها وجود الشعر ولا تمنعها إزالته. فهذه ريم (22 عام)، رسمت إطارها الخاص من الحرية في اتجاه آخر، ففضلت أن تحصل على بشرة ناعمة خالية من الشعر الزائد، وفقاً لجدول شهري منتظم أعدته سلفاً للمحافظة على نظافتها الشخصية، كلفها الأمر كوبان من السكر ومثلهما من الماء وليمونة، ومعهم ساعتان من وقتها وكثير من الألم. انتهى الأمر بنعومة فائقة، تشعر بها ريم لخمسة عشر يوماً متتالية ثم تبدأ شعيراتها في النمو لتذكرها بعد تمام الشهر أن عليها إعادة الكرة من جديد.

يوم النظافة الشهري لريم يمر سهلاً عليها، بل تفرح بمظهرها بعده: “هو جسمي أنا وشعره الزائد يخصني وحدي، وإزالته تجعلني أشعر بمتعة أكبر وأنا أنظر لنفسي في المرآة”. الألم لا يعني الكثير لريم، التي قررت إزالة شعر جسدها ابتغاء رضا ذاتها، ولا يهمها رضا الناس كما كانت تخبرها والدتها دوماً، فهو غاية لا تدرك: “أمي دائماً ما كانت تحكي لي قصة جحا وابنه والحمار، وعندما كبرت عرفت أن الناس يريدوننى دوماً أن أكون الحمار وهم الراكبون”.

 

AddThis is disabled because of cookie consent

Miraa Divider
Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات 

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري