«البوتكس: شباب بطعم «السم

في لقاء الجميلات: بدايات قاسية، ونهايات سعيدة

Article Details

البوتكس: شباب بطعم «السم«

يُعد البوتكس أحد السموم المستخرجة من جراثيم "كلوستريديوم بوتولينيوم" التي تقوم بشل العضلات المسببة للتجاعيد بشكل مؤقت

ينطلق دوماً الزمان للأمام، ولا توجد وسيلة معروفة - إلى الآن - للعودة بالزمن إلى الخلف، ومع مروره، يتقدم البشر في العمر. يتسبب ذلك التقدم بإرهاق الجسد، فمنذ الولادة، يبدأ الإنسان بالموت، تتحلل خلايا، وتُستبدل بأخرى، تتهدل الجفون، وتملأ تجاعيد الوجه لترسم خطوط الزمان.

ومنذ زمن بعيد، تحاول النساء مكافحة "شيخوخة الوجه" عبر استعمال مستحضرات التجميل المختلفة، ولكن؛ وبطبيعة الحال، تُعد مكافحة الشيخوخة مستحيلة بطبيعتها، إذ أن التقدم في العمر شرط ضروري للاستمرار، فلا شىء ولا أحد يظل على حالته – أو شكله - للأبد.

ورغم أن الحقيقة راسخة، إلا أن محاولات البقاء "أصغر" من العمر الحقيقي لا تزال مستمرة، انتشرت حالياً وسائل إزالة التجاعيد وإخفائها بالبوتكس، فما هي قصة ذلك المستحضر الدوائي؟ وهل هناك ثمة مخاطر من استخدامه؟

في عام 1987، وبينما يجري الزوجين جان وألستير كاروثرز تجربة علمية على مادة تُستخدم من قبل أطباء العيون لمعالجة انسدال الجفون، تمكنا عن طريق خطأ في التجربة، من اكتشاف خصائص تجميلية في تلك المادة السامة المعروفة علميًا باسم "البوتولينيوم".

كان الزوجان يعملان معاً في أحد المستشفيات الشهيرة بمدينة فانكوفر الكندية، تخصصهما كان طب الأطفال، لطالما عالجا التشوهات الناجمة عن سرطان الجلد، وتشنجات أجفان العيون، عبر حقنها بسم البوتولينيوم، الذى يُسبب شللاً مؤقتاً في العضلات، وفي أحد الأيام، وأثناء عملية روتينية لحقن أجفان إحدى السيدات، قام ألستير بحقن جبهتها عن طريق الخطأ، وبعد أيام، لاحظت السيدة اختفاء تجاعيد الجبهة بشكل كامل، توجهت للطبيب، وتساءلت عن السبب، وبفحصها؛ تبين أن ذلك السُم هو السبب.

وبعد عام واحد على ذلك الخطأ، ذاع صيت تلك المادة، وامتلأت عيادة ألستير الخاصة بالسيدات، ومعها انتعشت خزائن الزوجين الطبيبين بملايين الدولارات، فالمادة المعروفة على نطاق واسع باسم "البوتكس" لها قدرة غريبة على إزالة التجاعيد، وشد عضلات الوجه. وفي عام 1989؛ تصدر الدكتور ألستير كاروثرز قائمة مجلة الأوبزرفر كواحد من أفضل 50 رجل في العالم "قادرون على فهم المرأة عن حق".

منذ ذلك الحين وإلى الآن "خرج المارد من الزجاجة" على حد قول ألستير، ودأبت السيدات حول العالم في إجراء تدخلات جراحية لإزالة آثار العمر، ومحو تجاعيد الحياة، لتصل عدد عمليات التجميل باستخدام البوتكس إلى نحو 7.2 مليون عملية في عام 2017.

فما هو "البوتكس" وهل ثمة أضرار من استخدامه؟

يُعد البوتكس أحد السموم المستخرجة من جراثيم "كلوستريديوم بوتولينيوم"، تقوم تلك المادة بشل العضلات بشكل مؤقت، تُسبب تلك العضلات تجاعيداً في الوجه، وبالتالي؛ ينجم عن شلها إخفاء تلك التجاعيد بصورة مؤقتة قد تصل إلى نحو 6 أشهر كاملة. يقوم الأطباء بحقن كمية صغيرة جداً من ذلك السُم في العضلة بشكل مباشر، فتختفي التجاعيد خلال أيام قليلة.

إلا أن تلك العملية تستلزم حرصاً شديداً، ومهارة طبية متميزة في حساب كمية البوتكس اللازمة للعضلة، إذ أن الزيادة في الجرعة قد تؤدي لشلل كامل في عضلات الوجه، الأمر الذى قد ينجم عنه الوفاة.

لكن هل الحقن بجرعات صغيرة يُمكن أن يكون آمناً بشكل مطلق؟

الإجابة يقدمها أستاذ علوم الأعصاب بمعهد هيوز الطبي التابع لجامعة ويسكونسن ماديسون، جايسون فيفيا، وهو مؤلف إحدى الدراسات العلمية التي تُحذر من خطورة استخدام البوتكس، نشرت الدراسة في دورية "سيل" الشهيرة، وجاء في نتائجها أن سموم البوتولينيوم من بين المواد الأكثر فتكاً على الأرض، إذ أن ذلك السُم يُعيق الإشارات العصبية الموجهة للعضلات، مما يخلق شللاً يُمكن أن يستمر لأشهر، وبالنظر إلى سمية تلك المادة غير العادية، تُقاس الجرعات عادة بوحدة "تريليون من الجرام"، ويتم اختيار "أهداف الحقن" بعناية لعمل شلل في الأعصاب الحركية المرغوبة فقط.

ويقول جايسون أن الدعاية المرتبطة بسوق التجميل تؤكد أن البوتكس آمن للاستخدام، وتؤكد أن المادة لا تتسرب للجهاز العصبي المركزي ولا تُسبب آثاراً غير مرغوبة "وهذا أمر خاطئ تماماً"، حسب جايسون الذي يؤكد أن هناك "قلق حيال احتمالية تسرب البوتكس للجهاز العصبي المركزي".

في عام 2009، وبعد أن نُشرت تقارير عن حالات وفاة متعلقة بآثار انتشار البوتكس، أضافت إدارة الدواء والغذاء الأمريكية تحذيراً بارزاً على مستحضرات التجميل التي يدخل في تركيبها مادة البوتيولينيوم. جاء في التحذير أن ذلك السُم قد ينتشر من منطقة الحقن الأساسية، مُسببًا أعراض تتفق مع حالات التسمم، بما في ذلك ضعف العضلات بشكل غير متوقع، صعوبات البلع والتنفس، وهو الأمر الذى عزز من قلق الرأي العام حيال استخدام ذلك المستحضر.

ومن وقتها، نُشرت مجموعة كبيرة من الدراسات العلمية التي تُحذر من آثار استخدام البوتكس على المدى الطويل، ومنها الدراسة التى نفذها فريق بحثي من جامعة ويسكونسن ماديسون ويرأسها جايسون فيفيا.

حقن الباحثون في تلك الدراسة مجموعة من فئران التجارب بكميات محسوبة من البوتكس، وفي أماكن مختلفة من جلودها، ووجدوا أن جزيئات السم تدخل الخلية المحقونة، وتتسبب في انصهار حويصلاتها مع أغشيتها البلازمية، يُطلق ذلك الحدث الانصهاري مجموعة من الإشارات الكيميائية، التي تؤدي إلى شلل مؤقت في العضلات.

باستخدام تقنيات حديثة، تتبع الباحثون آثار ذلك السُم، ليجدوا أن بعضه تسرب خارج الخلية المستهدفة، إذ وجدوا جزيئات من البوتكس في خلايا بعيدة عن منطقة الحقن في فئران التجارب.

ويقول جايسون أن تأثير البوتكس "تعدى المنطقة المستهدفة وتسرب لمناطق أخرى" وهو ما يعني أن بعض الخلايا "تأثرت سلبياً بعملية الحقن".

يقول الفيزيائي السويسري باراسيلسوس والذي عاش في القرن السادس عشر أن "كل المواد سامة، ولا شئ غير ضار، فالجرعة وحدها تقرر سمية المادة من عدمها"، تنطبق تلك المقولة على البوتولينيوم على حد تعبير هايلي جولدباخ أستاذة أمراض الجلد بجامعة كاليفورنيا، والتي تقول في تصريحات صحفية أن "أي دواء له مخاطر، ولكن سجل السلامة للبوتكس قوي جداً". وترى هايلي أن عشرات الملايين من المرضى الذين عولجوا باستخدام البوتكس "خير دليل على آمان تلك المادة".

غير أن علماء المركز الأمريكي لمعلومات التكنولوجيا الحيوية لا يتفقون مع رأي هايلي، إذ قال تقرير صادر عن المركز أن هناك فئتين من الأعراض الجانبية التى يُسببها البوتكس تم رصدها إلى الآن، تشمل الفئة الأولى أحداث عابرة تضمنت وجود أورام دموية وألم في موضع الحقن، علاوة على تدلي الجفون بعد تكرار العملية أكثر من مرة، والصداع النصفي الذي يُصيب المرضى بعد الحقن بالبوتكس والذى يستمر لمدة أسابيع.

أما الفئة الثانية من الأحداث، والتى وصفها التقرير بـ"الأعراض الجانبية الخطيرة" فتشمل صعوبة التنفس والاضطرابات المعدية المعوية وعسر البلع وبحة في الصوت.

ويقول ذلك التقرير إن المركز "لم يوثق حالات تهديد محتملة للحياة" إلى الآن، إلا أنه يعود ويؤكد ضرورة الالتزام بـ"الجرعات الآمنة" والتى لا تزيد عن 32 وحدة لكل كيلوجرام وزن من جسم المريض.

لكن، هل يستحق البوتكس تحمل عناء التكلفة المالية والمخاطر التى قد يُمثلها على الصحة العامة؟

الأمر نسبي بكل تأكيد، ولكن؛ في حالة أخذ القرار بأخذ حقن البوتوكس، يجب توخي الحذر في عدد من النقاط، منها على سبيل المثال وجود سوق سوداء للبوتكس، يُباع فيها منتجات رديئة أو منتهية الصلاحية أو على وشك الانتهاء، تلك المنتجات قد تُسبب إصابات وتشوه.

يجب أيضاً الحذر من ردود الفعل التحسسية، تجاه المكون الرئيسي للبوتكس والمواد الحافظة، بعض ردود الأفعال تشمل الحكة والطفح الجلدي والبقع وأعراض الربو والشعور بالإغماء. وعلى الراغبات بحقن البوتكس الاستعداد التام للنتائج غير المتوقعة، والتي قد تشمل مظهراً غير متوازناً، خاصة إذا كانت خبرة الطبيب متوسطة.

المبالغة في استخدام البوتكس يُمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية، فقد يُسبب السُم تراجع في جانب الوجه، ضعف دائم في العضلات، تجعل النتائج تبدو غير طبيعية، بل والأسوأ من ذلك، مؤلمة.

يقول الأطباء أن السعي وراء الجمال لا يستحق أبداً أن يؤذي صحتك، وبالتالي؛ يجب على السيدات الراغبات في إجراء عمليات الحقن بالبوتكس الإفصاح عن التاريخ الطبي الكامل، والأدوية، وأمراض المناعة، مع التوقف عن استخدام الأسبرين قبل أسبوع على الأقل من العلاج، وعدم تناول زيت السمك، قبل إجراء العملية الجراحية وبعدها لمدة 10 أيام على الأقل.

 

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات 

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري