thumbnail.tif

نساء يحتفين بمقاساتهن الكبيرة

Article Details

نساء يحتفين بمقاساتهن الكبيرة

"لا تحرمونا حب أنفسنا، كيرفاتنا هويتنا".

رسوم تريسي شهوان

في الثلاثين من نوفمبر لعام 2020، تحركت قوات الأمن المصرية للقبض على سلمى الشيمي، "فتاة سقارة". لم تخالف سلمى أي من قواعد المحافظة على الآثار، لم تسخر من الإله آمون، ولم تُظهر ولائها لأي من أعداء رع، لم تخرق قوانين التظاهر، ولم تنضم لأي جماعة على خلاف القانون؛ القبض على سلمى كان سببه الوحيد الانتقام من "كيرفاتها" التي هزت صحراء الفراعنة.

لم تكن صورة سلمى بالزي الفرعوني الكاشف لمفاتنها هي الوحيدة لنساء في حرم الآثار، فسامية جمال ارتدت بدلة الرقص أمام أبو الهول، لتُنشر الصورة على غلاف مجلة أمريكية، نجوى فؤاد التقطتها الكاميرا عارية في حملة للترويج للسياحة المصرية في وقت كانت فيه راقصة الرؤساء والملوك، مئات الأجانب التقطوا صورًا وفيديوهات وسط الفراعنة، سواء كانت الصور أثناء جولة للسياحة، أو صورًا أثناء ممارسة الحب. 

تغيرت حياة موديل العبايات السوداء واللانجيري النسائي بين ليلةٍ وضحاها، بات التقليب في حياتها والبحث عن تاريخها وصورها القديمة مباحًا للجميع، هي لم تخفي شيئًا أبدًا، كانت أوضح من الجميع بفستانها القصير الأبيض الذي لم يستطع السيطرة على تكويناتها الممتلئة، يوم كامل قضته سلمى في النيابة المصرية، ثم خرجت بكفالة 500 جنيه ولم يوجد سببًا للقبض عليها هي ومصور الفوتوشوت (جلسة التصوير) سوى تبرير وحيد: "المشكلة إن البنت مليانة شوية". 

"لا الحقيقة الشكل معجبنيش"، يقول الدكتور زاهي حواس، عالم الآثار الفذ وصاحب التاريخ الممتلئ بصور الفراعنة على أفخاذ محبيهم من الأجانب، لكن سلمى الشيمي المصرية ذات الكيرفات أثارت حفيظة حواس، وراق للإعلامي شريف عامر أن يهاجمها، يتنمر عليها ويرفض منحها فرصة للدفاع عن نفسها، رغم عرضه صورًا للفنانة روبي في صحراء الأهرامات وهي بلبس قريب الشبه بما ارتدته سلمى، مع الأخذ في الاعتبار أن روبي تمتلك جسدًا لا يثير غرائز الفراعنة وأحفادهم. في آخر ليالي نوفمبر، أصبحت سلمى الفتاة البسيطة ذات الألف متابع على انستغرام، هي التريند رقم 1 في مصر، كثيرون فرحوا للقبض عليها وصورتها في العباءة السوداء في أروقة النيابة العامة، جابت السوشيال ميديا في وصلة سخرية جديدة عما فقدته من "ظهور قوي" في الفوتوشوت. لا أحد يعرف الآن فيما تفكر سلمى، ربما في فكرة جديدة للصور القادمة، وربما في الابتعاد للأبد عن مجتمع متدين بطبعه، لكننا في كل الأحوال لن نكف عن الفخر بأجسادنا وسنظل نلتقط الصور.

تهمة سلمى؟ "مليانة شوية"، هكذا ببساطة يمكن تعريف معاناة آلاف النساء في مصر من "الممتلئات شوية"، ما بين نظرات متنمرة وتحرش وضيق وتأفف، وبين اتهام واضح بإثارة الفتنة وزعزعة قواعد الجمال ومقاييس الأنوثة، حتى يكاد الأمر أن يصل للحبس والغرامة، ما عانته سلمى الشيمي لا يختلف كثيرًا عما تعانيه بقية نساء مصر اللاتي شاء حظهن العثر أن يكنّ "كيرفي". 

 وسط مجموعات الهيلثي لايف (نمط الحياة الصحية) والهوس الدائم بالصورة المثالية والوزن الأمثل والبحث وراء حلم الرشاقة المستمر، كانت هناك نساء تحارب في مساحة أخرى، لا بحثًا عن حلم غائب، بل لتقبل واقع موجود بالفعل: "Curvy & Proud"، مجموعة نسائية جديدة، اقتحمت فضاء فيسبوك قبل أيام قليلة من واقعة سلمى الشيمي، قدمت المجموعة دعمًا نفسيًا ومعنويًا للنساء الممتلئات، ودعتهن للفخر بجسدهن والتعامل معه بما يليق به، وليس بما يلائم توجيهات المجتمع. 

 

سارة هشام: "نعم، أنا كيرفي!"

 

JPEG - 6 (2).jpg
JPEG - 7 (2).jpg

أغلب نساء المجموعة من سيدات الطبقة الوسطى، جمعهن التقبل، تقبل شكل الجسد بما يحتويه من صدر ضخم وأرداف ممتلئة وكرش يختلف حجمه باختلاف مهامه. سارة هشام، امرأة أربعينية، تعمل كمديرة لمكتب مرجان الجونة، كانت هي صاحبة الفكرة ومؤسسة المجموعة، حياتها دائمًا وسط مجتمع يحرص على المظهر ودائم الهوس بالمقاييس الـ"مثالية". عانت سارة كثيرًا من جسدها الممتلئ، خاضت تجارب عدة للتخسيس، وبالفعل نجحت، ثم ارتدت كما كانت، لكنها هذه المرة قررت أن تتقبل نفسها وأن ترضى على أن تكف عن الحرب الدائرة بداخلها، تدهسها عجلاتها بين جسد يقاوم الحميات الغذائية وبين رغبة عارمة في أن تصبح مثالية. بعد معارك انقطعت فيها الأنفاس، استسلمت سارة ورفعت الراية البيضاء، فكافئها جسدها بنفحات من جمال مختلف؛ "كيرفي وافتخر" كان ثمرة المعاناة التي مرت على سارة على مدار حياتها، معاناة الطفولة والمراهقة في اختيار ملابس تلائم عمر طفلة، وثمرة شباب مر بأكمله تحت وطأة كلام الناس ونظرات الامتعاض. أول صور نشرتها سارة كانت صورها بمهرجان الجونة، صورة تملؤها الثقة بالنفس، كانت مبهرة للوهلة الأولى، تشعر بجمال يشع من الصور، فساتين قصيرة وألوان زاهية، لم تختبئ وراء الفضفاض من الملابس ولا الغامق من الألوان، كانت صورها تقول: "أنا جميلة". 

"مجموعة كيرفي وأفتخر ستكون دليلًا لكل امرأة ممتلئة القوام، ستجد فيها كل ما تحتاج إليه"، بدأت سارة بنقل خبراتها في مجالات التسوق الإلكتروني والمتاجر العالمية التي تستهدف النساء من أصحاب المقاسات الأكبر، تخبرنا أن أغلب بيوت الأزياء في مصر ومصانع الملابس لا تضع في حسبانها النساء أصحاب المقاسات الكبيرة: "دائمًا يصعب علينا أن نكون أصحاب مظهر لائق، واللجوء لبيوت الأزياء العالمية كان الحل الوحيد أمامي كي أجد قياسي المناسب"، تعدد سارة لعضوات المجموعة أماكن الشراء والأوقات المناسبة في التنزيلات، لتحفيزهن على تجربة الجديد من الملابس. المجموعة كانت مساحة آمنة تشبه سارة، التي صنعت مجتمعها الخاص لتخوض به معركة وعي لتغيير مفهوم المجتمع عن النساء الكيرفي. 

 

وسام عبدالقوي: "كيرفي ليس وصمة"

 

JPEG - 4 (5).jpg
JPEG - 5 (4).jpg

"أنا بحب كيرفاتي، لكني لا أحب أنني كيرفي في مصر"، منذ عدة أعوام غادرت وسام عبدالقوي، 27 عامًا، بلدتها في المنوفية آتيةً للقاهرة، حيث الفرص أفضل في الحياة والعمل والانخراط في المجتمع الثقافي والسياسي، استقرت وسام في العاصمة رغم رفض الأهل، لكنها أرادت الاستقلال، وحصلت عليه. في الريف كان جسد وسام مثاليًا: "البت عود"، هكذا كان يقال عنها، ارتدت الإسدال الأسود كي تداري تفاصيل جسدها، منعت العواء أن يتخلل خلايا جلدها حتى في الصيف الوحيد الذي ذهبت فيه إلى العريش مع أسرتها، ارتدت بنطلونًا وتيشيرت وحجاب، حتى البوركيني لم يكن خيارًا متاحًا في ذلك الوقت، وخرجت من عباءة الريف وتحرر جسدها من وطأة الإسدال، تنفست أخيرًا لكنها لم تختبر بعد قسوة أن تكوني "بطل" في شوارع القاهرة. 

رغم كل التحرشات التي مرت بها وسام بسبب جسدها، إلا أن ذلك لم يدفعها لكراهيته، لم تكره أبدًا صدرها الناهد فتقدره وتجله دومًا، بل وتحرص أن يكون محتميًا بستار جيد الصنع، وهو ما لا تجده بسهولة في مصر، فعليها دومًا أن تبحث عن قياسات خاصة لمشدات الصدر بأسعار خرافية، بسببه عرض عليها العمل كموديل للملابس الداخلية للنساء، لم تقبل الفكرة فهي ابنة الريف؛ تحب الرقص، تتقبل اهتزازات بطنها وهي تتمايل، تحب استدارة فخذيها وهي تحاكي راقصات الزمن الجميل؛ أما المايوه فكان تجربة خاصة في حياة وسام، كان حلمًا صعب المنال، أن ترتدي صاحبة هذا الجسد مايوه في يوم من الأيام، لكنها حين اشترته للمرة الأولى في دهب لم تصدق أنها تملك كل هذا الجمال، وفضلت أن تداري بعضًا منه وراء كاش مايوه. 

 

مي الشامي: "بطني بوابة ابني إلى العالم"

 

JPEG - 1 (4).jpg
JPEG - 2 (4).jpg
JPEG - 3 (6).jpg

للأمومة ثمن ضخم، ندفعه من العمر والروح والجسد، دفعته مي الشامي، 30 عامًا، لخاطر شمس؛ عدة كيلوجرامات زيادة عن الوزن الطبيعي، زيادة ملحوظة في حجم الثدي والبطن والأرداف. كان الأمر مفاجئًا لصحفية عملت في مجال الموضة والأزياء، محاولات عديدة للتأقلم تبوء بالفشل، صراع نفسي ما بين الرغبة في العودة لقياسات ما قبل الزواج وبين فرحتها الغامرة بالطفل الذي تمنته مهما كلفها الأمر. 

مشوار طويل قطعته مي مع جسدها، رحلة من الرفض والاختباء وراء الإسدال، إلى القبول والرغبة في التعايش: "متقبلة جدًا إن مقاساتي كبيرة عن المعتاد والمفروض، لكن مين بيحدد المفروض والمثالي؟". ترى مي أن المثالي هو ما يلائم جسدها صحيًا وشكليًا وغير هذا ليس مثاليًا، تسعى أن تعيد جسمها لما قبل الحمل لكنها لا ترفض التغيير الذي طرأ على بطنها، صدرها الممتلئ ليس عبئًا عليها سوى لفقرات الظهر، وحين اختيار المشدات الملائمة عليها أن تستعد بميزانية خاصة لتستطيع شراء زوجين من حمالات الصدر؛ تكلفة التسوق لامرأة ممتلئة القوام، تفوق التكلفة العادية بعدة مرات، فنحن ندفع ثمن مقاييس المجتمع وليس ثمن ما نختاره من ملابس. 

التكلفة العالية ليست فقط للملابس، لكن أيضاً في أماكن التنزه والسفر، فهي تختار أماكن خاصة تستشعر فيها بالراحة بعيدًا عن عيون المتلصصين لأجساد النساء، تدفع ثمن راحتها وحرية ارتدائها للمايوه دون أن يفرض عليها أحد قواعد خاصة.

ترفض مي إجراء جراحات السمنة، ليس الخوف هو دافعها الوحيد، لكن رغبتها في أن تحب ذاتها، وأن تتخلص من كل موروثات المقاييس المحددة للجمال، وهو ما تتمنى تحقيقه بخطوط إنتاج خاصة لصاحبات القوام الكيرفي، يستطعن من خلالها أن يستمتعن بأجسادهن، دون ألوان غامقة أو ملابس لا تناسب أعمارهن.

AddThis is disabled because of cookie consent

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري

Subscribe Now

للنشرة الإلكترونية

أحــــدث الــــــمـقـالات

رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟

ليلى يمّين

خمس أسرار وددت لو عرفتها في سن الخامسة عشر

رسالة أرسلها لذاتي المراهقة... لعلها تَتَحرر مما هي فيه.

آية أحمد

سألنا نساء حضرن صفوف دعم الأمهات عن تجاربهن

”اعتادت الفتيات على تلقي النصائح في تجربة الأمومة الأولى من السيدات الكبار ولكن للأسف لا تكون معلوماتهن دائماً صحيحة

هدير الحضري

دليلك للتعامل مع دولابك المكدّس بالملابس

سألنا النساء عن نصائحهن لتحصلي على دولاب مريح لأعصابك ومناسب لاحتياجاتك.

هدير  الحضري